يوحنا الثالث والعشرون: البابا الذّي أراد ان يُصبح كاهن رعيّة «أضواء
عندما عيّنه البابا بيوس الثاني عشر كاردينالاً في يناير من العام 1953، خصّه اوريول رئيس جمهوريّة فرنسا ورئيس الحزب الاشتراكي حينها باحتفالٍ مميَّز في قاعة قصر الاليزيه الكبيرة. وفي اليوم نفسه، قال الكاردينال رونكالي لدى استقباله مطران باريس المونسنيور فيلتن في سفارة باريس البابويّة كلمات ذكرها الجميع بعدها عندما تمّ انتخابه بابا الكنيسة: "كنتُ أوّد أن أكون كاهن رعيّة أمضي أيامي الأخيرة في أبرشيّة من أبرشيات بلادي وها أنا بعد فترةٍ قصيرة، أُعيّن بطريرك البندقيّة.
بطريرك البندقيّة
أخبره معاونه يومًا وهو بطريرك البندقيّة أنّ الرئيس اوريول - وهو صديقٌ له مذ كان سفيرًا بابويًا في فرنسا- موجودٌ في البندقيّة وسيمضي فيها بضعة أيام. قرّر إذًا زيارته في الفندق حيثُ كان يمكث وما أن لمح الرئيس البطريرك رونكالي يخرج من المصعد حتّى هرع إليه.
ومن ثمّ دعاه البطريرك الى مكان إقامته فأعجب الرئيس بطبعه المتواضع وسلامة معالمه التي لم تتغيّر أبدًا علمًا أنّ القديس بيوس العاشر أقام في المكان نفسه عندما كان بطريرك البندقيّة. فقال له المونسنيور رونكالي تعليقًا: "كان هو أيضًا ابن اُناسٍ فقراء مثلي ومن مثلنا يكتفي بالقليل."تأثر الرئيس بالغ التأثير فأمسك ذراعه بحنان من دون أن يقول شيئًا.
ومن البندقيّة، قام برحلات حج الى لورد وفاطمة وسانتياغو دي كومبوستيلا كما كان يُسافر كثيرًا الى سوتو ايل مونتي ليزور، أرض إخوته التي كانت لا تزال مورد رزقهم.
يوحنا الثالث والعشرون
تمّ انتخاب الكاردينال رونكالي الذي كان يُشرف على إتمام الثامنة والسبعين من العمر بابا فاختار إسم يوحنا الثالث والعشرين وذلك يوم 28 اكتوبر 1958 في الأسبوع الثالث بعد رحيل البابا بيوس الثاني عشر. وعلمًا منه بأنّ اسم يوحنا هو الإسم الأكثر اختيارًا بين البابوات عبر التاريخ وأنّ حبريّة معظمهم كانت قصيرة، قال البابا لأحد مواطنيه الآتين لزيارته: "لا مستقبل طويل أمام أي شخص يتبوّأ سدّة الكرسي الرسولي عن عمر الثامنة والسبعين."
وهو لم يُخطئ فكانت فترة حبريّته قصيرة إذ امتدت على أربع سنوات وستة أشهر إلاّ أنّه وفي هذه المدّة القصيرة، استأثر قلوب العالم والناس التي رأت فيه بابًا بكل ما للكلمة من معنى وشخصًا يدلّهم على الطريق من خلال مودّته وبساطته وخاصةً من خلال دعوته الى عقد المجمع الفاتيكاني الثاني الذي اعتُبر محطةً فاصلة في تاريخ الكنيسة الكاثوليكيّة وقوّة تأثير على سائر المذاهب المسيحيّة الأخرى والجماعات غير المسيحيّة والملحدة .
وألقى بعد عشرين ساعة على انتخابه خطابًا رائعًا بقي راسخًا في جميع الأذهان دافع فيه عن وحدة المسيحيين مُعربًا عن تقديره في الوقت نفسه للكهنة والرهبان والعلمانيين الكاثوليك "الذين يُعانون الاضطهاد في بلدانٍ أخرى حيثُ من غير الممكن ممارسة الايمان الكاثوليكي بحريّة" طالبًا مساعدتهم.
وأضاف قائلاً إنّ رحمة الرّبّ لا حدود لها وبأنّه يُرحّب بجميع الذين يريدون العودة الى الايمان الحقيقي ولذلك احثّكم جميعًا على العودة طوعًا وحبًّا فيكون رجوعنا سريعًا بمساعدة اللّه وإلهامه. نحن لا ندخل بيتًا غريبًا بل بيتنا وهو البيت الذي أضاءه أسلافنا بالعقيدة والقيم.
وأضاف داعيّا الى توجيه النداء الى قادة مختلف البلدان الذين يملكون بين أيديهم مصير وإزدهار وآمال شعوبهم: " لماذا لا تحلّوا نهائيًا وبعدل كلّ الخلافات والفتن؟ ولماذا لا تُستخدم موارد الانسان وبراعته وثروات الأمم - التي غالبًا ما تُستخدم الآن لشراء الأسلحة وأدوات الموت والدمار الخبيثة – من أجل تحقيق رفاه جميع شرائح المجتمع وخاصةً الأكثر فقرًا؟
نحن نعرف أنّ الطريق لتحقيق ذلك تشوبه صعوباتٌ كبيرة ومعقدة إلاّ أنّه من الواجب رفعها حتّى ولو تطلب ذلك استخدام القوّة. فهذه هي أهم المهمّات الموكلة إلينا لتحقيق ازدهار كلّ البشريّة فلنبدأ إذًا العمل بثقة على هدى نور العليّ ومساعدته التي يخصّ بها الشعوب التي عهدت سماع صوته."
اعتقد الجميع عندما لجأ يوحنا الثالث والعشرون الى وسيلة إعلامية كالراديو لنشر أوّل خطابٍ له كخليفة بطرس أنّ البابا الجديد مفعمٌ بالحيويّة والديناميكية بعكس ما كان يُخيّل إليهم بفعل تقدّم سنّه إلاّ أنّ يوحنا الثالث والعشرين وعلى الرغم من ديناميته وحيويته، لم يتخلَّ ابدًا عن تواضعه وهو جزءٌ منه رافقه حتّى آخر أيام حياته.
أسقف روما
إنّ جسم البابا السمين جعله أكثر قربًا من الناس حسب المثل القائل إنّ "كلّ الاشخاص السمينين طيّبين". لم يخجل أبدًا من سمنته ولم يُخفِ أبدًا طباعه فكان يسخر من نفسه من خلال روح الفكاهة التي كانت تُعرف عنه. فيُقال إنه في اليوم الأوّل من حبريته، سأل المشرف على المنقولات وهو ينظر الى الكرسي التي سيجلس عليه: " ألن يهبط هذا الكرسي الى الاسفل ما إن يحطّ عليه كلّ هذا الوزن؟" حاول المشرف طمأنته فرمقه نظرة ثقة وابتسامة.
موقعAleteia