وردية العذراء المباركة هي سلسلة عذبة تربطنا بالسماء «أضواء
...من الممكن أن تتلى الوردية بمسابحها الثلاث كل يوم، فإنّ الكثيرين يتلونها، وإنهم لجديرين بالمديح. إنّ هذه التلاوة تملأ بالصلاة أيام الكثير من المتصوّفين، أو ترافق بالمساندة الروحية المرضى والمسنّين الذين يتوفر لديهم الوقت الطويل.
ولكن من الواضح –هذا إذا أضفنا إلى المجموعات الثلاث مجموعة أسرار النور- أنّ الكثيرين لا يستطيعون أن يتلوا إلاّ مسبحة واحدة من مسابح الوردية، وذلك وفق توزيع معيّن على أيام الأسبوع. إنّ هذا التوزيع الأسبوعي يعطي لأيام الأسبوع لوناً روحياً، كما تفرض الليتورجية الكنسية لوناً معيّناً لملابس القداس بحسب مراحل السنة الطقسية.
إنّ العادة السائدة هي أنّ يوم الاثنين ويوم الخميس مخصصان لأسرار الفرح، وأنّ يومي الثلاثاء والجمعة لأسرار الحزن، وأنّ أيام الأربعاء والسبت والأحد لأسرار المجد. في أي يوم من الأيام نضع أسرار النور؟
نلاحظ أنّ أسرار المجد تُذكر في يومين متتابعين وهما السبت والأحد، وأنّ التقليد أعطى للسبت طابعاً مريمياً. لذلك فإننا ننصح بأن يُنقل إلى يوم السبت التأمل الثاني من أسرار الفرح إذ أنه يلحّ أكثر من غيره على حضور مريم، وهكذا يبقى يوم الخميس حرّاً، فيُخصَّص للتأمل في أسرار النور.
إنّ هذا التوجيه لا يقيّد حريّة التأمل الفردي والجماعي متى اقتضت المطالب الروحية والرعوية استعمال هذه الحرية، وخصوصاً مطالب الأعياد الطقسية التي تحتاج إلى مرونة أوفر في تطبيق هذا التوجيه.
إنّ المهم أن نعتبر ونختبر دوماً أنّ الوردية طريق للتأمل. ففيها –بالإضافة إلى ما تقوم به الليتورجية- يكون أسبوع الإنسان المسيحي مع يوم الأحد وهو يوم قيامة المسيح، طريقاً يسير خلال أسرار حياة المسيح الذي يظهر في حياة تلاميذه ربّ الزمن والتاريخ.
وردية العذراء المباركة هي سلسلة عذبة تربطنا بالسماء:
إنّ ما قيل إلى الآن يعبِّر تعبيراً فائضاً عن غنى هذه الصلاة التقليدية التي تتمتع ببساطة الضراعة الشعبية وعمق الفكر اللاهوتي الذي يلائم مطلب الذين يشعرون بضرورة تأمل أوفر نضجاً.
إنّ الكنيسة قد اعترفت دوماً لهذه الصلاة بفاعلية خاصة، فاستودعتها أشد القضايا صعوبة، وعكفت على تلاوتها الجماعية وممارستها المستمرة.
في الأوقات التي كانت فيها الشعوب المسيحية مهدّدة، استطاعت هذه الصلاة بقوّتها أن تبدّد هذا الخطر، فحيَّت الكنيسة عذراء الناصرة وأقرّت بأنها قد نالت الخلاص بفضل شفاعتها. واليوم، وأنا أشير إلى ما قلته في مطلع رسالتي، أسلِّم بملء الرضى إلى فاعلية هذه الصلاة قضية السلام في العالم وفي الأسرة.
ضرورة المسبحة نعمة لا إكراه :
ومن ناحية مشابهة، فإنه من الضروري أن نلتزم بالصلاة لأجل وضع آخر قائم في عصرنا دقيق للغاية، وهو وضع الأسرة. فالأسرة التي هي خلية المجتمع، تهاجمها قوى هدّامة على الصعيدين الإيديولوجي والعملي، هذا ما يجعلنا نخشى على مستقبل هذه المؤسسة الأولى التي لا يمكن الاستغناء عنها، كما نخشى معها على مستقبل الجماعة البشرية كلها. ففي الإطار الواسع لرعاية الأسرة، فإنّ تجديد تلاوة المسبحة الوردية في الأسرة المسيحية يهدف إلى تقديم مؤازرة فعّالة لصدّ النتائج الجارفة التي تنتج عن هذه الأزمة الحالية.
إنَّ علامات كثيرة تبيّن ما تريد العذراء القديسة أن تحققه اليوم من خلال الصلاة. إنها الأم الواعية التي سلم إليها المخلص قبل موته بلحظات في شخص التلميذ الحبيب كل أبناء الكنيسة " يا امرأة هوّذا ابنك" (يوحنا 19: 26).
إنَّ الأحداث التي أظهرت فيها أمّ المسيح حضورها وأسمعت صوتها خلال القرنين التاسع عشر والعشرين لتحثّ شعب الله على هذا النوع من الصلاة التأملية هي أحداث معروفة، وبسبب تأثّرها الواضح الذي تحتفظ به في حياة المسيحين، وبسبب اعتراف الكنيسة بأهمّيّتها، فإني أرغب في أن أذكر بنوع خاص ظهورات لورد وفاطمة اللتين يؤمّ الكثير من الحجاج كلاً من كنيستهما للبحث عن المؤازرة والرجاء....
من إرشاد قداسة البابا يوحنا بولس الثاني
موقع Aleteia