هل يصوم أهل العرس والعريس بينهم؟(2) «أضواء
...من هنا يطرح علينا مباشرة السؤال التالي: لِمَ نتحدّث عن صومٍ يدوم أربعينَ يومًا ما دام النصّ ذاته يحدونا على التفكير – كما رأَيْنا - بأنّ الصّوم يجب أن يتمّ يوم الجمعة العظيمة وحسب؟ في الواقع لسنا هنا بصدد عرضٍ تاريخيّ لتطوّر مفهوم الصّوم ومدّته، ولكن يمكننا القول إنّ ازدياد الوعيّ المسيحيّ لمركزيّة الحدث الفصحيّ، أي سرّ موت يسوع وقيامته، قد ترافق منذ البداية مع تطوّرٍ تدريجيّ لمدّة زمن الصّوم.
فمن يومٍ واحد كان يبتدئ مساء الخميس، إلى ثلاثة أيّام ترافق المخلّص من يوم تسليمه وموته حتى ساعة الاحتفال بقيامته، إلى سائر أيّام الأسبوع العظيم (أيّام يسوع الأخيرة على الأرض)، ثم في مرحلة أخيرة (في مجمع نيقية سنة 325) طيلة أربعين يومًا. في الواقع، قبل أن يتّخذ الصّوم معنى الاستعداد للعيد الكبير عبر التوبة والحزن النادم بسبب خيانة الأمانة للعريس الربّانيّ بارتكاب الخطايا، وهو معنى طبيعي متأتٍ من موقف الخاطئ التائِب أمامَ رحمة الله التي تجلّت في كمالها بموت الابن الوحيد مصلوبًا، كان له مع انطلاقة الكنيسة معنًى أكثر جمالية وأوفر مجانيّة.
فهو من جهة "حزن" (مت 9: 15) لأن العريس قد رُفِع بشكلٍ مُؤلم، ولم يعد حاضرًا بشكل منظور، حتى بِتنا دومًا في حالة إنتظار متشوّق لمجيئه الثاني النهائيّ؛ وهو من جهةٍ أُخرى فعل محبّة وبادرة اتّحاد وتضامن مع "عريس نفوسنا" الذي عبر اقترانه بنا وحمله "أوجاعنا وأحزاننا" اللامتناهيّة بسبب انفصالنا عنه وعن إخوتنا بالخطيئة والأنانيّة، صار لنا نبع فرح لا ينضب بقيامته وحضوره الخفيّ ولكن الحقيقيّ معنا: "أنا معكم إلى انقضاء الدهر" (مت 28: 20).
وأمام التحوّل في ممارسة الصوم من يوم واحد إلى أربعين يومًا، يمكن فهم الصوم انطلاقًا من تصويب النظر المحبّ (عبر 12: 2) على ذاك المركز المشعّ، أعني يسوع المصلوب الفقير والمنازع والمتروك حتى من الآب على الصليب (لماذا تركتني؟) حبًّا بنا، وفي الوقت نفسه عدم نسيان، بل استذكار ما كابده من أجلنا استعدادًا لرسالته المُحبّة، من عزلةٍ وجوعٍ وإنهاكٍ من جرّاء صومه أربعين يومًا وأربعين ليلة، بهدف مشاركته ولو ببعضٍ من معاناته وأوجاعه.
فنظرة القلب المُحبّة تلك وذكرى صوم يسوع ومعاناته قد دفعت تلقائيًّا الراغبين بصحبته وعشرته لتوحيد الحدثين وجعلهما حدثًا واحدًا. فبالصّوم أربعين يومًا في رفقة المسيح وتأمّل أعماله وكلماته "الروحيّة المُحيّية" (يو 6: 63) نصل حتمًا لنعيش معه رسالته ونبلغ ذلك "اليوم" الوحيد الذي فيه تتمّ التّقدمة المُطلقة الكاملة حبًّا على الصليب. وبهذا يغدو "زمن الأربعين" بالنسبة لمن يحبّ "حالةً" تتجاوز الزمن، ليس عبر "الهروب أو الإنفلات" من الزمن، بل عبر الإضطلاع بثقله وحتميّاته الواقعيّة؛ وهو ما يسبغ عليه أصلاً معناه الأساسيّ، أَعْني حينما يُضحّي الزمن نفسه حبًّا مُراقًا على قدمَيْ المسيح المصلوب، كطيب المرأة التي "أحبّت كثيراً" (لو7: 47)، عبر الاتّحاد به ومشاركته موته المُحيي الذي غدا هو بعينه عربون قيامته المجيدة.
إنّه لَصومٌ فريدٌ حقًّا، هذا الذي ينتظره المسيح "العريس" منّا، نحن الذين يودّ لو نحتفل به احتفال "أهل العرس" بعريسِهم الخاص! وأيّ عريسٍ هو هذا العريس "الغريب وحده" (لو 24: 18) الذي "أتى إلى بيته ولم يعرفه أهل بيته" (يو 1: 11)؟! فهو نفسه لا سواه ابن الآب الملك الديّان، وهو نفسه لا سواه الإنسان ابن الإنسان! وهذا ما يذهلنا حقًا! فهو لمحبّته وتواضعه اللامتناهيَين لم يكتفِ بأن فاجأنا تمامًا باختياره للجائعين والعطشانين والعريانين والغرباء والمرضى والمساجين من إخوتنا ليقترن بهم بشكلٍ لا مثيل له على أنّهم "إخوته الصغار"
بالذّات وبالتالي المحبوبين للغاية الذين يحفظهم تمامًا "كحدقة عينه" (زك2: 8) ويحملهم على الأيدي ويدلّلهم على الركب (أش66: 12)، بل ذهب إلى حدّ جعل التعامل معهم أيضًا مقياسًا وحيدًا لسلطته الملوكيّة يوم يَدِين العالَم (متى 25)! لدرجة أنّنا لن نُدان على شيءٍ آخر "في غروب هذه الحياة" سوى "على المحبّة" (القديس يوحنا الصليب)!
فأيّ عرسٍ إذًا هو عرس هذا "العريس"، وأي قران هو قرانه! أي صومٍ يا ترى تُراه ينتظره منّا، وقد بات الآن "مرفوعًا" عن عيوننا لا عن قلوبنا المؤمنة البصيرة، نحن الذين يعتبرهم "أهل العرس" وأهل بيته الأحبّاء؟! تُراه يستحقّ هذا العريس الإلهيّ- الإنسانيّ للغاية، الذي يدعونا لصحبته بشوق وإلحاح في "عرس محبته"، أن نرافقه في صومه الذي "تؤثره نفس الله" (أش 58)، ذاك الذي نكدّ فيه، جاهدين معه بنعمة محبّته – خصوصًا في هذه الأوقات المأساويّة القاسيّة التي نعيشها كلّ يومٍ أينما كنّا في أقطارنا العربيّة وبالأخصّ في سوريا - لنقاسم "إخوته الصغار" وأحبّاءه الغرباء المتألّمين المنهكين البؤساء – وما أكثرهم يومًا فيوم من حولنا!- فِلس حناننا المُتعاطف وبلسم تضامننا المتفاعل وخبز محبّتنا المتفانيّة؟
الأب غسّان السّهوي اليسوعيّ