هل يصوم أهل العرس والعريس بينهم؟(1) «أضواء

يبدو أن ثمّة "قّصّة طويلة" للمجادلة التي تقدّمها لنا الأناجيل الإزائيّة حول عدم ممارسة تلاميذ يسوع للصوم (مر18:2-22، متى 9: 14-17 ولوقا 5: 33-39)، وهي تمدّ جذورها في حنايا التقليد المسيحيّ سواء أثناء حياة يسوع التاريخيّة أو مع بدايات إنطلاق الكنيسة وتميّزها في رسالتها ووجودها عن العالم اليهوديّ القديم. فما هذه القصّة يا ترى؟ وماذا يمكننا أن نستخلص منها لحياتنا الحاضرة؟

إن ما يدعونا للتفكير بتلك "القصّة الطويلة" هو بعض التحوّلات والفروقات بين النصوص الإزائيّة، ويكفي هنا أن ننوّه لبعضها: فاستعمال فعل "يصوموا" مثلاً في مرقس (2: 19) ولوقا (5: 35) يقابله لدى متّى فعل "يحزنوا" (9: 15)؛ وفي حين يستعمل مرقس عبارة "في ذلك اليوم" بالمفرد (مر 2: 21)  لا نجد لدى متّى ولوقا سوى "ستأتي أيّام" (مت 9:15 ) أو "في تلك الأيّام" (لو 5: 35) وكلاهما بالجمع.

وإذا ما اقتصرنا على إمعان النظر في نصّ القدّيس مرقس دون أن تغيب عن بالنا النصوص الأخرى، نجد ما يلي: ذكر "الفريسيّين" و "تلاميذهم" بعد ذكر "تلاميذ يوحنا المعمدان" مباشرة في الآية 18؛ ثم تحوّل الأزمنة في الآية 19 بين الحاضر الآني: فالعريس هو "الآن" بينهم، والحاضر المستمّر إلى حين: "فما دام" بينهم؛ ثم التحوّل القائم في الآية 20 بين: "ستأتي أيّام" (بالجمع) و"في ذلك اليوم" (بالمفرد)؛ ثم الكلام عن الثوب العتيق والنسيج الخام، والخمرة الجديدة والزقاق العتيقة في (21 -22) وهي من وجهة نظر الدراسة النقديّة للنصوص والمضامين تبعث على الافتراض بأنّها لم تكن مرتبطة بالمجادلة مباشرة.

في الواقع يمكن التفكير انطلاقًا من هذه الملاحظات بأنّ ما آل إليه النصّ عبر تطوّر التقليد المسيحيّ الأوليّ قد جرى على النحو التالي: إنّ المجادلة الأصليّة مع يسوع قد تمّت في مرحلة أولى من قِبل "بعض أناس" (مر 2: 18) سواء حول الصوم الذي كان يمارسه "تلاميذ يوحنا" وحدهم، أو الصوم الذي كان من المفترض أن يمارسه تلاميذ يسوع ولم يمارسوه.

في الواقع لقد كان تلاميذ يوحنا المعمدان يصومون استعداداً لمجيء المسيح "المشيحا" وحلول ملكه، وحيث أن هويّة يسوع في تلك الفترة لم تكن بعد قد اعتلنت بكامل حقيقتها على أنه المشيحا المنتظر (وهو ما نستدلّه مثلا من سؤال يوحنا المعمدان حينما أَرسل وهو في السجن تلاميذه ليسوع ليسألوه "أَأَنتَ الآتي أمْ آخر ننتظر؟" مت11: 2-3)

فمن الطبيعيّ أن يطرح عدم صوم تلاميذ يسوع الذي سبق وعمّده معلمهم "المعمدان" سؤالًا كبيراً بالنسبة لهم. فما يكون جواب يسوع والحالة هذه يا ترى؟ "العرس والعريس"! هذه هي الصورة التي أجابهم بها يسوع! ولقد كانت هذه الصورة معروفة بالنسبة للتقليد اليهوديّ كدلالة على الخلاص المشيحانيّ "النهيويّ" أيّ الآتي في نهاية الزمان. عبر هذه الصورة أراد يسوع أن يوضِّح لهم بأنّ صومًا كذاك الذي يمارسونه لم يعد مطروحًا بالنسبة لتلاميذه؛ فمعه في الحقيقة حضَر زمن الخلاص الذي كانوا هم وكلّ اليهود الأتقياء ينتظرونه، وبالتالي فثمّة الآن وضع جديد على الأرض.

وهذا ما يجعلنا نفهم التضاد أيضًا بين الأشياء والصفات المستعملة: "الخمرة الجديدة - الزقاق العتيقة، النسيج الخام (الجديد) - الثوب العتيق"، فمن خلالها أراد الإنجيلي التأكيد على ما كان أورده سابقا في (مر 1: 27) مصحوبًا بدهشةٍ عظيمةٍ وتساؤل عميق (ما هذا؟) من قبل جميع الحاضرين في مجمع كفرناحوم، أعني "التعليم الجديد" كل الجِدّة الذي يلقيه يسوع بسلطان.

وفي مرحلة ثانية، لا نجد فقط دخول تلاميذ الفريسيّين على الخطّ - وهم الذين كانوا يريدون في معظمهم القضاء على يسوع ثم على تلاميذه بعد موته - ولكن أيضًا جواب يسوع: "ما دام العريس بينهم لا يستطيعون أن يصوموا. ولكن ستأتي أيّام فيها يُرفع العريس من بينهم، فعندئذ يصومون" (19-20).

مع هذه الكلمات المركَّزة على "العريس" يأخذ مضمون النصّ طابعًا مسيحانيًا بحتًا، فلم يعُد الصوم يتعلّق بالتقليد القديم الذي يمثِّله بحذافيره الفرّيسيّون وتلاميذهم، لكنه قد خضع لتحوّل جوهريّ متأتٍ من أنّه لم يعد باستطاعة تلاميذ يسوع أن يصوموا من بعد بدافع واجبٍ دينيّ "نهيويّ" كأولئِك، بل بدافعٍ آخر مُنبثق من واقع العرس الجديد؛ أيّ تحقيق مواعد الله القديمة باقترانه مع البشر (راجع خصوصًا سفر هوشع النبيّ) في شخص الابن الوحيد يسوع.

ولكن علينا الانتباه إلى أنّ حضور هذا "العريس" مع "عروسه الكنيسة" بجسده الملموس لن يبقى إلى الأبد؛ ومن هنا العبارة "ستأتي أيّام" (20) لتدلّنا على وضع الكنيسة الجديد بعد موته، حيث سيتّخذ فيها الصوم معنًى جديداً بالنسبةِ للمسيحيّين الذين يمثِّلهم في النصّ "تلاميذ يسوع"، وهو معنى ينبع بالدرجة الأولى من الحدث المركزيّ في العهد الجديد: حدث "رفع يسوع". ففي ارتفاعِه على الصّليب وبذل ذاته حتى آخر قطرة من دمه يصير كلمة الله المتجسّد الخبز الافخارستيّ والطعام الحقيقيّ للإنسان (يو 6)، محقّقًا عبر ذلك اقترانه السرّيّ بنا: "أنا فيهم وهم فيّ" (يو 17)، وداعيًا إيّانا باستمرار للإقتران به عبر التناول من الخبز الحقيقيّ الذي يمكنه وحده أن يُشبِع جوع الإنسان العميق للمحبّة.

وأما في المرحلة الأخيرة من إنشاء النصّ فترانا من جديد نشهد تشديدًا ليس على "الأيّام" التي ستأتي، وهي كما رأينا: زمن الكنيسة بعد موت مؤسّسها وربّها، بل على "ذلك اليوم" بعينه (مر 2: 21).

فالأمر لم يعد مرتبطًا بتبريرٍ عام للمعنى الجديد الذي اتّخذه الصوم بالنسبة للمسيحيّين، بل بتبريرٍ خاص للزمن الذي تتمّ فيه ممارسة الصوم؛ فالنص بتأكيده على "ذلك اليوم" يبرر استبدال اليوم الذي كان فيه اليهود يصومون في "عيد التكفير" ويذبحون "كبش المحرقة" باليوم الذي فيه ذُبح يسوع حمل الفصح الحقيقي "كفّارة لخطايانا" (1يو 2: 2، 4:10)، وهذا "اليوم" يعني بالضرورة يومًا واقعيًا في التاريخ، وهو يوم "الجمعة" بالتحديد. كما يبرِّر النصّ من جهة أخرى تغيّر توقيت الصوم المسيحي وانفصاله النهائيّ عن الممارسات اليهوديّة - الفرّيسية التي كانت تتمّ يومَيّ الاثنين والخميس.يتبع...

الأب غسّان السّهوي اليسوعيّ