منطق الثالوث(6) «أضواء

بعـض التساؤلات عـن سـرّ الثالـوث الأقـدس:

 

 

كم مرّة وُلد المسيح:

وُلـد المسيح مرتين: الأولى منذ الأزل كإبن الله من الآب والرّوح القدس وهي ولادة روحيّة. والثانية في ملء الزمان كإبن الإنسان من العذراء مريم والرّوح القدس، وهي ولادة بشريّة جسديّة. ونلاحظ أنَّ الرّوح القدس هو في كلتَي الحالتَين مصدر الولادة، سواء من الآب أم من العذراء مريم. 

ما معنى كلمة أقـنوم؟

في اللاهوت المسيحيّ نقول إنّ " الله واحد في ثلاثة أقانيم ". فما معنى " أقنوم "؟ إن كلمة " أقـنوم " تعنى شخصًا. فنقول إنَّ الآب أقنوم والإبن أقنوم والرّوح القدس أقنوم. لماذا لا نستخدم كلمة " شخص " ونقول إن الله واحد في ثلاثة أشخاص؟ لقد رفضت الكنيسة استخدام كلمة " شخص "، لأنَّ هذه الكلمة قد توحي لبعض الناس بكائن بشريّ له حدوده وشكله وملامحه. فتحاشيًا لكلّ تصوّر خاطئ ولكلّ تحديد للأشخاص الإلهيّة، لجأت الكنيسة إلى كلمة غير عربيّة، مصدرها سريانيّ. وقد استخدمت كلمة أقنوم في اللاهوت المسيحيّ للإشارة إلى الأشخاص الإلهيّة الثلاثة. وهى لا تستخدم فى أي مجال آخر غير هذا المجال. 

أين صورة الثالوث في الطبيعة والمخلوقات ؟

أي عمل فنّيّ يُعَبّر عن دواخل الذي أنجزه حتى إنّه، من خلال دراسة عمله، يمكننا أنْ نستشف طباع الفنان وشخصيته. فهل طبع الله في الكون والإنسان ملامح كيانه الداخلي؟ وبمعنى آخر، هل من الممكن أنْ نستشف من خلال الخلق صورة الثالوث؟.

حين نتحدّث عن الثالوث، نلجأ عادة إلى تشبيهات معيّنة كالمثلث الذي هو صورة هندسيّة واحدة ذات ثلاثة أضلاع متساوية. أو نشبّه الثالوث أيضًا بنبتة البرسيم التي تتكوّن من ثلاثة أوراق أو بإصبع واحد ذي ثلاث سلاميَّات. أو نشبّه الثالوث بعقل الإنسان الذي يتمتع بثلاث طاقات: الذكاء والذاكرة والمخيّلة. أو نقول إنَّه كالشمس التي هي ضوء وحرارة وقرص.

بالحقيقة أكره تمامًا كل هذه التشبيهات لأنّها تشوّه مفهوم الثالوث، وهي غير مقنعة للعقل على الإطلاق.

فهناك تعبير أراه أفضل وأنسب وهو عبارة عن ثلاث شمعات مشتعلة نقرِّب بعضها من بعض، حتّى تصبح شعلة واحدة، ثمّ نفصل بعضها عن بعض حتّى نبيّن أنّ لكل شمعة شعلتها الخاصّة. ولكن، حتى هذا التعبير هو غير كافٍ، لأنّ الأقانيم الثلاثة لا تقبل الإنفصال، وإنْ فصلناها تتحوّل إلى ثلاثة آلهة.

ولكنّ ألم يطبع الله في المادّة ذاتها صورته؟ والذي يدرس الفيزياء يعلم أنَّ داخل الذرّة شحنة موجبة وأخرى سالبة وبينهما طاقة. هذا بالنسبة إليَّ أقرب صورة وأحسنها للثالوث، إذْ إنَّها تمثل الثالوث بقطبَين متميِّزَين تربطهما طاقة.

نميل عادة إلى تشبيه الثالوث بثلاثة عناصر، في حين يجب أنْ نبحث عنه في شكل عنصرين مرتبطين معًا بعنصر آخر غير منظور على هيئة طاقة. وهذه الطاقة هي الرّوح، لأنَّ الرّوح هو عنصر الترابط والوحدة في الكون، وليس هو عنصرًا ثالثًا نضيفه إلى العنصرين السابقين. إنه وحدة العناصر. 

الإنسان أجمل صورة للثالوث وأصدقها

وجدْنا إذًا على مستوى المادّة صورة للثالوث. ونجدها أيضًا على مستوى جسد الإنسان. فهناك عينان وبصر واحد، أذنان وسمع واحد، رِجْلان وسير واحد، ذراعان وعناق واحد، رئتان ونفس واحد... إلخ. كلّ هذا يعني أنّ الإنسان، حتّى في جسده، خُلق على صورة الله على شكل ثنائيّة موحّـدة.

ولكن هناك تشبيه أفضل على مستوى الحبّ البشريّ وفى العلاقة القائمة بين الرجل والمرأة: هما ثنائيّة موحّدة يكوّنان كلاهما جسدًا واحدًا. إنّ هذا أقرب صورة وأعمقها وأجملها لكيان الله.

لذلك، بعد ما قال الكتاب المقدّس إنَّ الإنسان خُلق على صورة الله وكمثاله يُضيف: " على صورة الله خلقه، ذكرًا وأنثى خلقهم " (تكوين 1/27)، مستعملاً تارة صيغة المفرد وتارة أخرى صيغة الجمع. وبهذا يريد أنْ يُبَيّن أنَّ هذا الجمع هو مفرد وأنَّ هذا المفرد هو جمع وأنَّ الإنسان، بعلاقته مع المرأة، يكوّن وحدة لا تتجزَّأ: فيكونان كلاهما جسدًا واحدًا... فما جمعه الله لا يفرّقه إنسان (تكوين 2/24ومتّى 19/5-6).

ونجد أيضًا في سفر التكوين تلميحًا آخر إلى سرّ الثالوث في قول الله هذا عن آدم بعدما خلقه: " لا يحسن أنْ يكون الإنسان وحده فأصنع له عونًا بإزائه " (تكوين 2/18). فكما أنَّ الله لا يمكن أنْ يعيش إلاَّ في علاقة حبّ وتبادل، كذلك الإنسان الذي خُلق على صورته يحتاج إلى طرف آخر ليبادله حبّه. فلا يحسن أنْ يكون الإنسان وحده ولا يحسن أن يكون الله وحده.

فبإمتداد هذا النصّ، يروي الكتاب المقدّس كيف أنَّ الله خلق المرأة من ضلع الرجل مشيرًا بذلك إلى ولادة الإبن من الآب وإلى أنَّ الإثنين أصلاً كائن واحد. لذلك قال آدم عن حوّاء: " ها هذه عظم من عظامي ولحمٌ من لحمي، فتُسمَّى امرأة لأنَّها من المرء أُخذت " ( تكوين 2/23). فكما أنَّ المرأة مشتقَّة من الرجل في كيانها، يكون إسمها أيضًا كامرأة مشتقَّ من اسم الرجل كمرء - وهذه إشارة جديدة إلى ما يتمّ فى سرّ الولادة الإلهيّة.

بعدما خلق الله الإنسان، أمره بالإنجاب قائلاً: " أُنموا واكثروا واملأوا الأرض ". وهذا يدلّ على أنَّ الحبّ البشريّ خصب في طبيعته ولا يكتمل إلاَّ من خلال الطفل الذي يمثل وحدة الزوجين ورباطهما، إذ لا يكتمل الحبّ البشريّ إلاَّ إذا تحوّل إلى ثالوث.

لذلك، فالحبّ مقدّس، وعلاقة الرجل بالمرأة مقدّسة، لأنَّها تمثّل أعلى تعبير للكيان الإلهيّ. وعندما أرى زوجين يسيران في الطريق وبينهما طفلهما، أرتقي تلقائيًا إلى الثالوث وأجد في هذا الطفل المنبثق من أبيه وأمّه تجسيدًا حقيقيًا لحبّهما.

هذا هو سرّ الله. فالله محبّة والله ثالوث والله جماعة، والله عائلة. ليس الله كائنًا جامدًا خاملاّ منعزلاً منفردًا، بل في كيانه حياة متدفّقة فيّاضة، حياة حبّ يفوق كلّ خيال وتصوّر.

الخاتمـة  

لقد كشف لنا سرّ الثالوث الأقدّس أعماق كيان الله كما هو في ذاته. وليس هناك دين آخر خارج المسيحيّة توصّل إلى هذا الاكتشاف، ولا فضل لنا على الآخرين سوى أنَّ الله أعلن لنا عن هذا السرّ. ومن خلال هذا الإعلان استطعنا أن نسير خطوة بعد خطوة بالعقل والمنطق حتى توصّلنا إلى هذه النتيجة. هناك بالطبع خلفيّة إيمانيّة أضاءت لنا الطريق، ولكن وجدنا أنَّ العقل والمنطق قادران على تقبّل سرّ الثالوث. فهناك منطق للثالوث.

أخيرًا أختم بهذه الكلمات: نحن نؤمن بإله واحد ولا نؤمن بإله وحيد. نحن نؤمن بوحدانيّة الله ولا نؤمن بوحدته. نرفض أنْ يكون الله كائنًا منعزلاً منفردًا. إنْ كان الله محبّة، فيجب أنْ يكون محبّة في ذاته وفي داخل كيانه وجوهره الواحد.

 هذا هو مفهومنا للثالوث الأقدس.

الأبّ هَنري بُولاد اليَسُوعيّ