منطق الثالوث(4) «أضواء

 

 

 

ولادة الإبن

الولادة الأزليّة فى قالب خياليّ وعلى شكل أسطورة

والآن، فلكَي تتجلَّى هذه القضيّة، سأروي هنا قصّة أحاول من خلالها أنْ أوضّح ما يحدث في الذات الإلهيّة. ولكن سأضطرّ إلى وضع هذه الحقيقة في قالب خياليّ وتسلسل زمني، نتصوّر داخله وقوع أحداث متتالية، كمراحل تطوّر إلهيّ، مع التأكيد أنّ هذا خطأ بالطبع، لأنَّه، في الذات الإلهيّة، لا زمن ولا تطوّر من حالة إلى حالة ولا أفعال متتالية.

ولكنّنا كبشر لا نستطيع أنْ نتكلّم عن الله إلاَّ في إطار زمنيّ، بل إنَّ هذا الإطار الزمني ضروريّ لنا. وفي آخر حديثنا سأقول: ألغوا عنصر الزمن من القصّة، فإنّ كلّ هذه الأحداث قد حدثت في آنٍ واحدٍ وفي لحظة واحدة - لحظة أزليّة. 

وها أنا أبدأ قصّتي.  

كان ياما كان، في قديم الزمان، ملك عظيم، ذو لحية بيضاء، وعلى رأسه تاج من اللآلئ الثمينة، وفي يده صولجان. والشيخ جالس على عرشه من الذهب والأرجوان، وفوق رأسه نُحِتَت هذه الكلمات: " الله جلّ جلاله... لا إله إلاَّ هو ".

وكان هذا الملك يردّد في ذاته: " أنا هو الله، ربّ الوجود، سيّد كلّ شيء، أنا الله بمفردي، لا إله إلاّ أنا..." وظلّ يُكرّر هذه الكلمات مرارًا وتكرارًا عبر العصور والأجيال حتّى أصابه الملل والإزعاج فقال في نفسه: " أنا الله، صاحب كلّ سلطة وقدرة وجلال... ولكن ما الجدوى؟ ما الجدوى، إنْ لم أجد مجالاً لحبّي الفيّاض؟ ما جدوى عظمتي دون الحبّ؟ ما جدوى سلطتي وقدرتي وجلالي، إنْ لم تكنْ فيّ المحبّة؟ كيف أحبّ وليس أمامي طرف آخر، يشاركني هذا الحبّ؟ كيف أحبّ وأنا منفرد منعزل، لا إله إلاًّ أنا...؟ ".

في تلك اللحظة كان الله يشعر في داخله بنزعة قويّة عارمة تدفعه إلى أنْ ينطلق خارج ذاته إنطلاقة عطاء كامل ومطلق، والصوت الداخلي يهمس بإلحاح: " أحبب أحبب... أحبب بكلّ ذاتك واجعل قدرتك اللامحدودة قدرة حبّ لامحدودة ".

فأخذ الصوت الداخلي يزداد إلحاحًا وقوّة ويكبر ويتصاعد ويعمّ، حتّى تحوّل إلى تيّار جارف جعل الله ينفجر إنفجارًا فجائيًا وينطلق انطلاقة كاملة بفعل حبّ مطلق أفرغ فيه ذاته الإلهيّة تفريغًا شاملاً. فوجد أمامه طرف آخر يشابهه تشابهًا كاملاً ويتّصف بكلّ صفاته الإلهيّة، بل أصبح صورة مطابقة تمامًا لِمَا هو عليه. فصرخ الله بصرخة فرح وإعجاب واندهاش: " هذا هو إبني الحبيب الذى عنه رضيت...". وفي تلك اللحظه، حقّق الله في ذاته صفة الأبوّة وصفة الأقـنوم الذى كان يفتقدهما.

ولكن، عندما وهب الله ذاته للإبن، هل وهبه أيضًا صفة الألوهيّة أم لا؟... طبعًا نعم، لأنّه ما كان ممكنًا أنْ يحتفظ الله بشيء له، إذ كان لا بدّ أنْ تكون محبّته محبّة مطلقة تجعله يهب فيها كلّ ما كان لديه، بما فيه الألوهيّة التي لا تنفصل عن كيانه. فوهب الآب لإبنه كلّ ذاته وأعطاه أنْ يكون إلهًا مثله.

فتعجّب الإبن من وجوده ومن كماله ومن ألوهيّته وتساءل: من أين لي هذا كلّه؟ فالتفت إلى أبيه وقال له: " هل أنت صاحب كلّ هذا؟ هل أنت مصدر كياني؟ هل أنت منبع ألوهيّتي؟ هل أنا الله بالحقيقة ؟ "... فكان جواب الآب: " نعم... لقد وهبتك كلّ ما لي وكلّ ما لديّ وكلّ ما أنا عليه، فأنت إبني بالحقيقة، إبني الوحيد، إبني الحبيب الذي فيه كلّ رضاي "

فقال الإبن في ذاته بإعجاب: " ها أنا أصبحت كلّ شيء دون أبي... ها أنا أصبحت إلهًا، صاحب القدرة والجلال والعظمة... لا إله إلاَّ أنا... فهل أحتفظ بتلك الهبة وأعتبرها ملكًا لي؟ "... وفي تلك اللحظة، سمع الإبن في داخله صوتًا خافتًا يهمس إليه: " كلّ ما لديك فمن أبيك الذي هو منبع كيانك... فكيف تحتفظ به ولا تعيده إلى مصدره، بحركة حبّ بنويّ مطلق؟...".

هذا الصوت الذي دفع الآب إلى أنْ ينطلق خارج ذاته هى نزعة المحبّة التى تناولها الإبن من الآب فى طيّات الهبة الإلهيّة... فكانت النتيجة أنّ تلك النزعة جعلت الإبن يشعر بضرورة إعادة الهبة الإلهيّة إلى صاحبها. فتخلّى عن ذاته كليًا وأُعكِسَ السهم وأعاد الهبة إلى الآب قائلاً: " كلّ ما لي وكلّ ما لديّ فهو منك ولك... فأرجو قبول ذاتي وتلك الإلوهيّة التي هي ملكك...".

ولكن لم يكنْ ممكنًا أنْ يستعيد الآب ما قد وهبه، فرفض الهبة من إبنه، إذ إنّه لا عودة فى المحبّة. فكلّ منهما رفض أنْ يمتلك تلك الهبة حتى إنّها ظلّت بينهما، لا للآب وحده ولا للإبن وحده، بل كمُلك مشترك بينهما. وهذه الهبة هي ما نسمّيه الذات الإلهيّة أو الجوهر الإلهي.

وقد يقول قائل: " بدلاً من هذا التنازع بين الآب والإبن، أمَا كان ممكنًا أنْ يتقاسما الهبة بينهما؟..." كلاَّ، هذا أمر مستحيل، إذ إنّ الألوهيّة لا تحتمل الإنقسام إطلاقًا، والجوهر الإلهي إمَّا أنْ يكون واحدًا وإمّا أنْ لا يكون...

ولادة الإبن ولادة روحيّة لا جسديّة

إنّ كلمة " ولادة " توحي عند بعض الناس بولادة بشريّة، أي بولادة جسديّة جنسيّة، بمعنى أنّ الله تزوّج حتّى يلد الإبن.

مَنْ يُفكّر بهذه الطريقة فهو بعيد طبعًا كلّ البعد عمّا نسمّيه ولادة الإبن. الولادة التي نتكلّم عنها هي ولادة روحيّة، لا تحتمل أيّ تفسير بشريّ، جسديّ، من أيّ نوع. لذا نرى يوحنّا الرسول، إلى جانب تعبيره عن " الإبن "، يستعمل تعبيرًا آخر وهو: " الكلمـة "، باليونانية " لوجوس ". وقد استخدم كلمة " لوجوس " تحاشيًا لأيّ تفسير مشوّه.

عندما يتحدث الإنسان، فكلامه صادر من داخله ويُعبّر عن ذاته ونفسه، والكلمة المعبّرة عمّا في داخل الإنسان نطلق عليها في العربية الفصحى عبارة: " بنت شفة ". فماذا تقول لمَن يسألك عن لون شعر هذه البنت أو عن لون عينيها؟ هي بنت شفة مجازًا. فعندما نقول: " إبن الله "، من الطبيعي أنْ يكون هذا الإبن بالمعنى الروحيّ، تلك الكلمة التي لفظها الله، وهي كلمة روحيّة. ولهذا فلفظ " الكلمة " مكمّل لِلَفظ الابن، يُكسبه مذاقًا روحيًا، لأنّ الولادة ولادة روحيّة

ولاده الإبن ولادة واحدة وحيدة لا تكرار فيها 

لا تكرار في الولادة لدى الله. لماذا؟ لأنّ المحبّة الإلهيّة، عندما تعطي من ذاتها، فهي تعطي كلّ شيء وتهب كلّ ما لديها. فعندما وَلَد الآب الإبن، وَهَب له مرّة واحدة كلّ ذاته ولم يبقَ لديه شيء يهبه لإبن آخر، خلافًا لِمَا يجرى عند البشر، فهم ينجبون مرّات كثيرة، وكلّ ابن يكتسب بعض صفات والدَيه. أمّا إبن الله، فقد أخذ من أبيه كلّ شيء بالكامل، حتّى إنّه صورة مطابقة للأصل: لذلك عندما سأل فيليبس المسيح عن أبيه، أجابه: " مَن رآني رأَى الآب. فكَيفَ تَقولُ: أَرِنا الآب؟ أَلسْتَ تُؤِمِنُ بِأَنِّي في الآبِ وأَنَّ الآبَ فيَّ؟ " (يوحنا 14/9-10). نعم، بكلّ تأكيد، الإبن صورة مطابقة للأصل، " مَنْ رآني رأَى الآب ". وليس لدينا وسيلة أخرى لمعرفة الآب إلاَّ الإبن.

نردّد فى قانون الإيمان: " نؤمن بربّ واحد، يسوع المسيح، إبن الله الوحيد ". نعم، إنَّ الإبن هو وحيد، ولا يمكن أن يكون هناك إثنان. وإلاَّ لكان الآب قد وهب لكلٍّ منهما بعضًا ممّا لديه، وهذا مستحيل. إنّ حركة الحبّ في الله لا يمكن أنْ تكون حركة محدودة، بل هي حركة كاملة مطلقة. حين أفرغ الآب ذاته في الإبن، لم يبقَ لديه شيء آخر يعطيه بعد ذلك.

وإذا تناولّنا هذه الحقيقة على مستوى النطق، رأينا أنّ الإنسان يحتاج إلى كلمات كثيرة ليُعبّر عن ذاته. أمّا الله، فإنَّه، عندما ينطق، فبكلمة واحدة يُعبّر عن ذاته بكاملها. هذه الكلمة هي الكلمة الأزليّة.  

ولادة الإبن ولادة أزليّة

نقول في قانون الإيمان: " نؤمن بربٍّ واحد يسوع المسيح، إبن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كلّ الدهور "، أيّ منذ البدء. لذا قيل في إنجيل يوحنّا: " في البَدءِ كانَ الكَلِمَة والكَلِمَةُ كانَ لَدى الله والكَلِمَةُ هوَ الله " (يوحنّا 1/1). ما معنى كلمة " البدء " هنا؟ هل هناك بدء عند الله؟ وما معنى " منذ الأزل "؟.

نتصوّر أحيانًا أنّ الأزليّة والأبديّة عند الله هما على شكل زمن يمتد من الماضي إلى المستقبل، بلا حدود، إلى ما لا نهاية. لكن الحال ليست هكذا، وليس هناك مرحلة معيّنة لم يكن الإبن مولودًا فيها من الآب. لقد ورد في قصّتي أنّ الله قضى زمنًا طويلاً منفردًا منعزلاً، قبل أن ينطلق في إبنه. لكنّ لم يحدث قطّ، في وقت من الأوقات، إنّ الآب كان وحده. فحين نقول إنّ الإبن مولود من الآب قبل كلّ الدهور، لا نقصد بذلك أنّه وُلد في زمن معيّن، بلّ قبل الزمن، أي منذ الأزل. وولادته لا بداية لها، تصحيحًا لِمَا وَرَدَ في قصّتي.

أزليّة الله وأبديّته هي حاضر مستمرّ يرتكز في محوره أطراف الزمن: حاضر يمتدّ إلى أقاصي الزمن ويجمعه في آنٍ واحدٍ وهو " الآن ". " الآن " الإلهيّة هي آنٌ شاملة الزمن، ليس لها ماضٍ، ولا مستقبل. الأمس عند الله هو الآن، وغدًا أيضًا هو الآن. القرن الماضي والقرن الآتي هو الآن. لذلك لا يجوز أنْ نقول إنّ الآب " وَلَدَ" الإبن، بصيغة الماضي، كأنّه حدث تمّ في قديم الزمان. ولكنّ التعبير الأصحّ هو أنَّ الآب " يلد " الإبن لأنّ ولادة الإبن تتمّ اليوم وفي اللحظة الحاضرة - أيّ الآن. وهذا هو سرّ الأزليّة الذي لا نستطيع إدراكه، لأنّنا كبشر نعيش في امتداد حقبات زمنيّة 

الابن مساوٍ للآب في الجوهر

قد تقولون: بما أنّ الابن وُلد من الآب، فالآب له فضل على الإبن، وهو أعظم منه. فكيف نقول في قانون الإيمان إنّ الابن مساوٍ الآب في الجوهر؟...

ممّا لا شكّ فيه أنَّ الآب هو مصدر الإبن. لذا نسمّيه الآب، والإبن نسمّيه الإبن لأنه من الآب. والمسيح نفسه يقول في الإنجيل هذا القول المدهش: " لأَنَّ الآبَ أَعظَمُ مِنِّي " (يوحنا 14/28).

وهذه الكلمات قد تُشكّك الكثيرين من المسيحيّين وغير المسيحيّين. فكيف يجب أنْ تُـفهم؟.

إذا تتبّعنا التسلسل الزمنيّ، كما ورد في القصّة، يكون الآب أعظم من الإبن، لأنّ الآب هو مصدر الإبن، وله فضل عليه. لذلك نقول عن الإبن في قانون الإيمان: " إله من إله، نور من نور، إله حقّ من إله حقّ ". ويعني ذلك أنّ ألوهيّة الإبن ونوره يأتيان من مصدر آخر، ألا وهو الآب، وكأنّ الإبن ما هو إلاَّ انعكاس ألوهيّة الآب ونوره. 

فأين المساواة بين الآب والإبن؟.

سنوضّح هذه المساواة عندما نُدرك أنَّ بين الآب والإبن شرط وجود متبادَل، فلا وجود للإبن إلاَّ من خلال الآب، ولا وجود للآب إلاَّ من خلال الإبن. وكما أنَّ الإبن لا ينفرد بذاته بعيدًا عن الآب، كذلك الآب لا يستطيع أنّ يحقق ذاته إلاَّ بفضل الإبن. فهناك فضل متبادَل بين الآب والإبن، لأنَّ كلاً منهما شرط للآخر. كيف ذلك؟ هل يمكن للآب أنْ يُحقق أبوّة بدون الإبن؟ طبعًا لا. فوجود الإبن ضروريّ لتتوافر صفة الأبوّة لدى الآب. وهل يمكن للآب أنْ يعيش المحبّة المطلقة بدون الإبن؟ طبعًا لا. فوجود الإبن ضروري أيضًا لتتوافر صفة المحبّة لدى الآب.

عندما قلنا إنَّ الله كان في البدء وحيدًا، ارتكبنا خطأ، إذ لا يمكن أنْ يكون الله وحيدًا، لأنّه، دون انطلاقة المحبّة التي تؤدّي إلى ولادة الإبن، ليس هناك ألوهيّة. وتلك الألوهيّة هي علاقة الحبّ المتبادَل بين قطبيّ الذات الالهيّة. في ديناميّة العطاء بينهما، يصبح الآب أبًا والإبن ابناً، ويوجَد الإثنان في اللحظة نفسها كشرط أساسيّ لوجودهما المتبادَل

ما من أولويّة ولا تفضيل بين الآب والإبن، لأنَّ الإثنَين يوجَدان معًا في الحركة واللحظة نفسيهما، فى لحظة أزليّةيتبع...

الأبّ هَنري بُولاد اليَسُوعيّ