ما القداسة؟ «أضواء
جميعنا مدعوين للقداسة منذ المعموديّة إلاّ أن ذلك لا يعني أنّنا سنُرفع جميعًا على مذابح القداسة. فالقداسة ناتجة عن حالنا كأبناء معمدين في حين ان التقديس هو إعتراف الكنيسة بقداسة أحد اعضائها.
عندما نراجع أحداث حياتنا اليوميّة، لا يُخيّل لأيّ منا أنّه يستحق القداسة وغالبًا ما لا نميّز بين القداسة والتقديس. فنحن لا نتحدث عن "اعتلاء المذابح" بفعل الإرادة والتكفير عن الخطايا بل التواضع في إنسانيتنا والسماح لأنفسنا بالامتلاء من محبة المسيح لكي يقدس كلّ ما نفعل.
صحيحٌ ان الكاهن ليس بعباءته كما ان القديس ليس بالتقديس فيبقى العديد من القديسين غير معروفين! ولا تُزهر القداسة فقط في الأديرة بل قد نلقاها على حافة بيوتنا ساكنة في الأشخاص الذّين نلقاهم في الشارع.
وأكرّر هنا مع مادلين ديلبريل القائلة في كتابها قداسة الأشخاص العاديين: " هناك أشخاصٌ يختارهم اللّه ويعزلهم وأشخاص آخرين يُبقيهم وسط الناس وفي صلب العالم. ونحن أبناء الشارع، نؤمن بكلّ قوانا أن هذا الشارع، أي المكان الذّي اختاره اللّه لنا، هو عالم قداستنا كما نؤمن ان ما من شيءٍ ضروري ينقصنا لأنّه لو كان من ضروري ينقصنا لكان اللّه اعطاه لنا."
ويكتب جيلبر سيسبرون في كتابه حرّروا باراباس: " ما من مفخرة في إرادة المرء بأن يُصبح قديسًا إذ هذه الإرادة ليست سوى غريزة المحافظة على الذات" فالقديسين ليسوا أبطال يربحون الحياة الأبديّة بقوّة سواعدهم بل هم أشخاص يُسلمون أنفسهم لمحبة المسيح فهم الذّين يُحركهم اللّه حسب ما يريد والتعرّف على أحدهم، يعني اكتشاف اللّه. "فلم تكن بداية جميع القديسين جيّدة إلاّ أنهم عرفوا كيف ينجحوا في النهاية" (الخوري آرس).
جميعنا مدعوون الى القداسة
سلّط المجمع الفاتيكاني الثاني الضوء على القداسة مشيرًا الى أنّنا "جميعنا مدعوون للسير في طريق القداسة" إذ أنّنا جميعنا مدعوون الى الرحمة وبالتالي فإن القداسة ليست حكرًا على مجموعةٍ نخبويّة وهي ليست مسألة تنم عن المثالية او التوازن النفسي بل عن القبول والمحبة.
إن القداسة لست ترفًا مخصّصًا للبعض بل هبةً نستقبلها بكلّ حريّة وهي ليست جائزة نتلقاها لقاء خدمات قدّمناها بل نعمة لا تستثني أحد. لا نحصل على القداسة نسبةً لسنوات الخدمة كما يصبح المرء رئيس شركة أو عميدًا في الجيش إذ يسبقنا مرضى وعاهرات واطفال الى ملكوت السماوات والقداسة لا تتناغم حكمًا مع التوازن البشري أو المثاليّة الاخلاقيّة إذ هي تجعل المرء مهووس حبٍّ ومجنون بالصليب ما يُروّع بعض المفكرين.
إن القداسة ليست رياضة ينتصر فيها الأقوى بل قصة مقدسة حيثُ يغمر اللّه برحمته المتواضعين والصغار. تعكس القداسة من نحن حقيقةً أي كوننا ابناء اللّه الأعزاء الذّين خلصنا الآب وافتدانا الروح. إن القداسة ليست سطوةً بل تحرّرًا لا يسعنا استقبالها إلاّ بأيادٍ فارغة وقلوب أطفال.
وقد جعلت القديسة تيريزا الطفل يسوع القداسة فعلاً ديمقراطيًّا من خلال صوتها اليافع الواثق والقريب من الجميع. فهي لم تعتلي درجات المثاليّة بل استعملت مصعد المحبة ألا وهو ذراعَي يسوع.
فالقداسة بالنسبة لها تعني الانفتاح على تدفق الحنان الساكن في اللّه والتسليم لرحمته اللامتناهيّة ولحبه الطاهر الذّي يحوّل رتابة حياتنا العاديّة. تُجسد القداسة إذًا ضعفنا البشري الغارق في بحر الرحمة الإلهيّة التّي تستقبل ضعفنا على أنّه نعمة حتّى في أكثر الليالي ظلمةً ليُصبح وسيلة تطرحنا أمام محبة الآب والابن والروح القدس. فالقداسة تعني النزول بضعفنا وفقرنا نحو اللّه لا الارتفاع إليه عن طريق مزايانا وفضائلنا.
فالقداسة ليست سوى قبول المسيح القائل: "من يقبلكم يقبلني ومن يقبلني يقبل الذّي ارسلني." (متى 10، 40)
موقع Aleteia