لا تجعلوا صيامكم علاجاً للأجسام دون النفوس... «أضواء

نستذكر معكم اليوم في ذكرى رحيل البابا يوحنا بولس الثاني وفي أيام البابا فرنسيس ، بعض نصائح البابا الكبير بندكتس السادس عشر من خلال رسالته في زمن صوم ٢٠٠٨ ، وفيها يقول :

 

"....يبدو في أيّامنا هذه أنّ الصوم قد فقد قليلاً من قوّته الروحيّة واكتسب بالأحرى، في ثقافة معاصرة مصبوغة بالبحث على البحبوحة الماديّة، اكتسب الصوم بُعداً علاجيًا للجسد.  لا شكّ انّ الصوم يفيد الجسد، إنّما بالنسبة للمؤمن فإنّ الصوم هو بدرجة أولى ذو بُعد علاجي يشفيهم من كلّ ما يمنعهم من وضع ذاتهم رهن إرادة الله.

 في رسالته الرسوليّة Poenitemini التي أصدرها عام 1966، شدّد خادم الله بولس السادس على ضرورة ربط الصوم في إطار دعوة كلّ مسيحيّ بأن "لا يحيا بعد اليوم لنفسه، إنّما لذاك الّذي أحبّه وبذل ذاته من أجله... وللعيش أيضاً من أجل الإخوة" (الفصل الأوّل).  

يمكن للصوم أن يكون فرصة لاستعادة القواعد الواردة في الرسالة الرسوليّة التي ذكرنا، وإعادة الإعتبار للمعنى الحقيقي والسامي لهذه الممارسة التكفيريّة القديمة التي تستطيع أن تساعدنا على إماتة أنانيتنا وفتح القلب أمام محبة الله والقريب، وهي وصية العهد الجديد الكبرى والأسمى التي تختصر الإنجيل بأسره (مت 22، 34- 40). 

إلى ذلك، فإنّ الصوم يساهم في توحيد الإنسان جسداً وروحاً بمساعدته على تجنب الخطايا والنمو في الحميميّة مع الله. والقديس أغسطينوس الذي كان يعرف جيداً ميوله السلبية واصفاً إيّاها بـ "العقد الملتوية والمتداخلة" (اعترافات، الفصل 2، 10، 18)، كتب في بحثه عن فائدة الصوم: "أعاني العذاب بالتأكيد، لكن لكيما يغفر لي؛ أقاصص ذاتي لكيما يساعدني وأحسن في عينيه فأتوصّل لأن أتذوق عذوبته" (عظة 400، 3، 3 PL 40, 708 ). إن نحرم أنفسنا من الغذاء المادي الذي يقوت أجسادنا يهبنا الطواعية الداخليّة للإصغاء إلى المسيح والإغتذاء من كلمته الخلاصيّة. بالصوم والصلاة، نسمح له بالمجيء إلينا ليشبع فينا الجوع العميق الذي نعيشه في عمق ذاتنا وهو الجوع والعطش إلى الله.

في الوقت عينه، يساعدنا الصوم على أن نعي الحالة التي يعيشها الكثيرون من إخوتنا. ففي رسالته الأولى، يحذّر القديس يوحنا بقوله: " مَنْ كانَت لَه خَيراتُ العالَمِ ورأى أخاهُ مُحتاجًا فأغلَقَ قلبَهُ عَنهُ، فكيفَ تَثبُتُ مَحبَّةُ اللهِ فيهِ؟" (1 يو 3، 17). يساعدنا الصوم الّذي نختاره بحرّيتنا على اتّباع مثل السامري الصالح الذي ينحني راكضاً لمساعدة أخيه المتألم (راجع الله محبة 15).

باختيارنا الحرّ بأنّ نحرم أنفسنا من شيء ما من أجل مساعدة الآخرين، نظهر بطريقة ملموسة أن قريبنا الواقع في صعوبة ليس بغريب. ومن أجل أن يبقى هذا التصّرف، أي الاهتمام بإخوتنا، حيّاً، أشجّع الرعايا وكافة الجماعات على تكثيف ممارسة الصوم الفردي والجماعي خلال زمن الصوم وتنمية الإصغاء إلى كلمة الله، والصلاة والصدقة.

لقد كانت هذه من إحدى مميّزات حياة الجماعات المسيحية منذ بدايتها، إذ كانت تجمع تبرّعات خاصة (راجع 2 كور 8، 9؛ رو 15: 25، 27) وكان المؤمنون يُدعون إلى إعطاء الفقراء ما كانوا يوفّرونه بفضل الصوم (تعليم الرسل،،5، 20، 18).واليوم، يجب إعادة اكتشاف هذه الممارسة وتشجيعها خلال زمن الصوم الليتورجي بنوع أخصّ.

يتضح ممّا أوردناه أنّ الصوم يمثّل ممارسة تقشفية بغاية الأهميّة، وسلاحاً روحيّا لمحاربة كلّ شكل من أشكال التعلق غير المنتظمة. فحرمان النفس طوعاً من لذّة الطعام ومن الخيور المادية الأخرى يساعد تلميذ المسيح على التحكم بشهوات طبيعته التي أضعفتها الخطيئة الأصلية، التي تجتاح بمفاعيلها السلبيّة، كلّ الشخص البشرّي.  وهنا يقع في موقعه محتوى نشيد قديم من ليتورجية زمن الصوم ومعناه بالمختصر :  "نستخدم باعتدال الكلمات والأغذية والمشروبات والنوم واللهو، وبانتباه أكبر، فنبقى متيقظين".

إخوتي وأخواتي الأحباء، إذا أمعنّا النظر، نرى أنّ هدف الصوم الأسمى هو مساعدة كل واحد منّا على بذل نفسه لله، كما كتب خادم الله يوحنا بولس الثاني ( Veritatis Splendor 21 ). فلتعطي جميع العائلات والجماعات المسيحية الصوم قيمته الحقّة للإبتعاد عن كل ما يشتّت الفكر ولتكثيف ما يغذي الروح ويقودها إلى محبة الله والقريب.

 أفكّر بنوع خاص بالتزام أكبر بالصلاة، والقراءة الربّية،  والإلتجاء إلى سر المصالحة والمشاركة الفعّالة في سر الافخارستيا وفوق كلّ شيء المشاركة بقداس الأحد. من خلال هذه الطواعيّة الداخلية ندخل في جو التوبة في زمن الصوم.

فلترافقنا الطوباوية مريم العذراء، سبب سرورنا، وتعيننا في جهدنا لتحرير قلبنا من عبودية الخطيئة ليصبح دوماً أكثر فأكثر "بيت قربان حيّ لله". على هذا الرجاء ومع تأكيدي صلاتي لجميع المؤمنين ولكافّة الجماعات الكنسية من أجل الاستفادة من مسيرة الصوم، أمنحكم جميعاً ومن كلّ القلب البركة الرسولية...."

(صادر عن الفاتيكان في 11 كانون الأوّل 2008
البابا بندكتس السادس عشر)

موقع Aleteia