عظة الكردينال البطريرك مار بشاره بطرس الراعي بمناسبة العيد السنوي لعائلة الأخويات في لبنان، حريصا، 30 أذار 2014 «أضواء

 

 

 

بهذه العبارة قالت مريم كلمة "نعم" لتصميم الله عليها، فكان تجسّدُ ابنِ الله، وتحقيقُ سرّ الفداء، وولادةُ الكنيسة بالروح القدس، وقد جعلها المسيح مؤسسها "أداةَ الخلاص الشامل وعلامتَه"(الدستور العقائدي في الكنيسة 48).

إنها كلمةٌ بدّلت مجرى التاريخ وقادته إلى ملء معناه وغايتِه. ولأن مريم اختبرت أبعاد هذه الكلمة، المعبِّرة عن طاعتها لإرادة الله، كيفما تجلّت، وكخبيرة في مشاعر يسوع ابنِها ومكنونات قلبه، قالت للخدم في عرس قانا الجليل: "مهما يقل لكم، فافعلوه"(يو2: 5). هذه التوصية اختارتها أخوياتنا موضوعًا لهذه السنة.

يسعدنا أن نحتفل معًا بهذه الليتورجيّا الالهيّة، هنا في بازيليك سيدة لبنان، إحياءً لعيد رابطة الأخويات. فيطيب لي أن أُحيّي، باسم أعضاء مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك، جميعَ أخوياتنا في لبنان، وعلى رأسهم سيادة أخوينا المطران ميشال عون المشرف على الرابطة من قبل المجلس، والمطران شكرالله - نبيل الحاج المشرف السابق، كما أُحيّي رئيسَها السيد غطّاس نخله ومرشدَها العام الأب سمير بشاره وسائرَ أعضاء اللجنة الإدارية.

ويكتسب الإحتفال السنوي هذا بُعدًا يوبيليًّا بمرور 451 سنة على تأسيس الأخويات في العالم. إنّنا نرفع إلى أمّنا مريم العذراء نشيدَ الشكر والتسبيح الموجّه بلسان أشعيا للحكمة الإلهيّة المتجلّية فيها: "قد أُوتيتِ مجدَ لبنان، وبهاءَ الكرمل والشارون. فيكِ نرى مجد الرب وبهاءَ إلهنا"(راجع أشعيا 35: 2).

ويسعدنا أن نطلق في المناسبة "جيش الوردية" الذي قرّرته اللجنةُ المركزية لأخويات شبيبة العذراء، تلبيةً للنّداء الذي وجّهه قداسةُ البابا فرنسيس خلال الاحتفال بالأيام العالمية للشبيبة في البرازيل في تموز 2013، إذ قال: "أعطوني جيشًا يُصلّي الوردية، فأحرّر به العالم". "جيش الوردية" هو أخويات الشبيبة في لبنان التي تلتزم بتلاوة المسبحة الوردية في الرعايا، في كلّ أول أربعاء من كل شهر. إننا نثني على هذه المبادرة الروحية، التي ستكون لها الثمار الوفيرة من يدَي أمّنا مريم العذراء المفتوحتَين لهذه الغاية من على قمّة حريصا.

ونحييّ اخويات الشبيبة، وبخاصة مرشدها المركزي الاب جان موسى، ورئيستها الآنسة سينتيا الحايك. إننا نصلي من جميع اخويّاتنا لكي تزدهر وتنمو لمجد الله وخلاص أعضائها.

ولا يسعنا في المناسبة الاّ ان نعرب عن حزننا لوقوع ضحايا في الأمس من الجيش اللبناني وقوى الامن في طرابلس وعلى حاجز عرسال في البقاع.
إننا نعزّي أهلهم وقيادة الجيش، ونسأل الله الراحة الدائمة في السماء. ولكننا نحزن بنوع خاص ونأسف وندين هذا التعدي على الجيش والقوى الامنية على يد مجموعات تكفر بالإنسانية والوطن والقانون، ونأسف بالاكثر للتغطية السياسية التي يحظون بها، والتغطية مشاركة في الكفر والاعتداء على الدولة والوطن والمؤسسات.

إننا نناشد الحكومة بإحكام الخطة الأمنية التي قررتها مع المجلس الأعلى للدفاع، وتقتصّ من كل المجرمين ومن يتلطى وراءهم ويستغلهم ويجرّدهم من إنسانيتهم واحترامهم لقدسية الجيش والقوى الأمنية المكرّسة لخدمة الشعب اللبناني وكل مَن يطأ أرضَ هذا الوطن.

يندرج احتفالُنا في إطار عيد بشارة الملاك لمريم العذراء، الذي أقمناه الثلاثاء الماضي. بجوابها "نعم" للبشرى الإلهية، ولو لم تفهم كلَّ أبعادها وصعوباتها، إنفتحت مريم على أفق الله، بالخروج من أفقها الصغير، ومن مشروعِ زواجها من يوسف، فتبدّل مجرى تاريخ العالم.

بفضل ذاك الجواب "نعم"، الذي به كرّست كلَّ ذاتها نفسًا وجسدًا، فكرًا وقلبًا، لتحقيق مقاصد الله كخادمةٍ له، صارت مريم أوّلَ المؤمنات والمؤمنين، إنّها لنا النموذج في قبول الكلمة الإلهية وتصميمِ الله وإرادته على كلِّ واحد منّا. نقبلها بإيمان ورجاء وحبّ، ونجسّدها في أعمالنا.

أجل! إنّ مجرى التاريخ يتغيَّر في عالمنا، في كلّ مرّة نقول "نعم" لله الذي يدعونا بإلهامات الروح القدس، وكلامِ الانجيل، وتعليمِ الكنيسة، ونداءات المجتمع، وحاجات الوطن.
تشكّل الأخوياتُ "المكان" المميّز لسماع كلام الله والبحث عن إرادته والاجابة بـ "نعم".

إنّ "نعم" مريم يتواصل في "نعم"الأخويات بدورها المثلّث: دعم رسالة الكنيسة بتوجيهات رعاتها، بحكم المعمودية والميرون الذي اشترك فيه المسيحيون بكهنوت المسيح العام؛ ومساعدة الكهنة في أداء خدمتهم الراعوية: التعليم والتقديس والتدبير، بحكم الانخراط في الأخوية؛ والقيام بخدمة المحبة ورسالة نشر السلام في الرعية والمجتمع والوطن، بحكم الشركة والمحبة.

موقع بكركي