سيرة مار بولس الرّسول «أضواء

 وُلِدَ بولس الرَّسول في مدينةٍ تُركيَّةٍ معروفة، إسمُها طرسوس، حوالى سنة 8 ب.م.، من عائلةٍ يهوديَّةٍ عِبريَّة، من سبطِ بنيامين. دُعيَ باسمٍ عِبريّ "شاول"، تيَمُنّاً باسمِ أوّل ملك على إسرائيل. ومنذ مَولِدِه، حصلَ على هويَّة مواطِنٍ رومانيّ حرّ باسم لاتينيّ "بولس". منذ حداثتِه، تعلّمَ صنعة حياكة الخيام، وتعلّم اللّغتين العبريّة واليونانيّة، وتربّى على حفظِ التوراة.

تابَعَ دروسَهُ في طرسوس حتّى درجة عليا، ثمَّ انتقلَ إلى أورشليم، فتوَّجَ ثقافته اليونانيّة بثقافة يهوديَّة دينيّة عالية، في مدرسة هلاّل، على قدمي المعلّم الشهير جَمليئيل. وانتمى مثل والده ومعلّمه إلى حزبِ الفرّيسيّين، أضيَق مذهب في الدين اليهوديّ. ومن غيرتهِ الفرّيسيّة المفرطة على شريعة موسى، اضطهدَ بعنفٍ شديد كنيسة الله.

كان اهتِداء بولس بادرةً مجّانيّة ودعوةً حُرّة من المسيح شخصيّاً، يوم ظهرَ له بالمجدِ على طريق دمشق سنة 36، وغمره بنعمةٍ قلبَتْ حياتَهُ رأساً على عقب، وجعلتهُ رسولا ً للأمم. اكتفى بولس بالتّشديد على أنّهُ رأى المسيح، كما رآهُ بعدَ قيامتِهِ بطرُس والرُّسُلُ الباقون أجمعون.

بعد اهتِدائهِ إلى المسيح واعتِمادِه، وانخراطِه في جسمِ الكنيسة الأولى، أقام بولس ثلاث سنين في دمشق وبلادِ العرب أي بلاد النبطيّين، من البتراءِ جنوباً إلى تدمر شمالا ً، يصلّي ويتامّل، ويبشّر في مجامع اليهود في دمشق، مبرهِناً أنّ يسوع هوالمسيح وابن الله.

عاد بولس إلى أورشليم  سنة 39، ولم يصدّق الرّسل أنّه تلميذ، فأخذه برنابا وتثبّت  من نعمة الله فيه، وقدّمه إلى الرّسل. رغبَ بولس في البقاء في أورشليم ليشهد ليسوع في المجامع نفسها حيث كان يذهب ليسجن المؤمنين بيسوع ويضربهم، لكنّ اليهود لم يقبلوا شهادته، فما استَطاع أن يمكث بأورشليم اكثر من 15 يوماً.

أحدره الإخوةُ إلى قيصريّة البحريّة، ومنها أرسلوهُ إلى مدينتِهِ طرسوس، فمكث هناك خمس سنوات، إلى أن وافاهُ برنابا نفسه سنة 44، واصطحب رسولا ً مختاراً معاوناً له في إدارة شؤون كنيسة أنطاكية. عمل بولس سنة ً كاملة مع برنابا، مسؤولا ً رسميّاً لأوَّلِ مرّة، ذا سلطان خاصّ في الكنيسة.

من أنطاكية، قام بجولاتٍ رسوليّة ثلاث، بتكليف رسميّ بواسطة الصوم والصلاة ووضع اليد ؛ في الجولة الأولى مع برنابا ويوحنّا مرقس (45-49)، بشّرَ قبرس وقسماً كبيراً من جنوبي تركيّا الحاليّة، وفي كلّ كنيسة كان يقيم شيوخاً (كهنة) مسؤولين، بالصوم والصلاة ووضع اليد.

وفي الجولة الثانية(49 -53 ) مع سلوانس وطيموتاوس، عاد يتفقَّد الكنائس التي أسّسها في الجولة الأولى، ثم طاف في مناطق جديدة حتى ترواس آخر مدينة، على حدود الشرق والغرب القديم. هناك أوحى إليه الربّ في حلم أن يعبر إلى مقدونية، ويحمل الإنجيل إلى الغرب أي اليونان كلّها حتّى أثينا ثم قورنتس.

وفي الجولة الثالثة (54 – 58 ) أيضاً مع سلوانس وطيموتاوس، تفقّد الكنائس التي أسّسها في الجولتين السابقتين، وأقام ثلاث سنين في أفسسس حيث استأجر مدرسة علّم فيها شرح الكتب المقدّسة والإنجيل، فأصبحت أفسس، في العالم الوثنيّ، مركز إشعاع مسيحيّ يضاهي أورشليم، ومنها أكمل التبشير في مقدونية وأخائية وعاد إلى أورشليم.

بينما بولس في الهيكل في أورشليم، لوفاء النذر، قبض عليه اليهود، لكنّ الجنودَ الرومانيّين أسرعوا فانتشلوه من ايديهم. تآمر أكثر من أربعين يهوديًّا وأقسموا أن يقتلوا بولس، فعرف قائد الألف بالمؤامرة، فنقل بولس ليلاًمن أورشليم إلى قيصريّة البحريّة، حيث قضى سجيناً لمدّة سنتين. جاء فَستُس واليًا جديداً مكان فيلكس. شعر بولس أنّ فَستُس سيدفعه إلى المجلس اليهوديّ ليحاكمه، فرفع دعواه إلى محكمة روما، بصفته مواطنًا رومانيًّا، فاستجاب الوالي لطلب بولس.

قرّر الوالي إرسال بولس إلى روما. وكان السفر محفوفًا بالأخطار، لكنّ الله نجّاه هو والذين ، معه، وكان عددهم 276 شخصاً، ومن بينهم لوقا كاتب الإنجيل وأعمال الرّسل. لبث بولس في روما تحت رقابةٍ عسكرّية، مدَّة سنتين، وكان على السلطة أن تطلق المتّهم بعد سنتين،إذا لَم يطالب أحدٌ بالحكم عليه.

ربما عاد بولس بعدها إلى الشرق يتفقّد الكنائس التي أسَّسها، وربّما أيضًا ذهب إلى إسبانيا كما كان مقرّراً منذ أربع سنوات، عندما كتب رسالته إلى أهل روما، سنة 58 .

والتقليد يحدّثنا عن استشهاد القدّيس بولس بقطع الرأس والقدّيس بطرس بالصلب، في روما سنة 67 .

في الكنيسة تقليد عريق يرقى إلى الأجيال المسيحيّة الأولى، يقول بأن القدّيس بولس كتب ثلاث عشرة رسالة، وهي بالترتيب الزمنّي كما يلي: الأولى والثانية إلى أهل تسالونيكي، فيلبّي، الأولى والثانية إلى أهل قورنتس، غلاطية، روما، فيلمون، قولسّي، أفسس، الأولى والثانية إلى طيموتاوس، وطيطس.

رسائل القدّيس بولس هي ذات طابع خاصٍّ لاهوتيّ عميق مميّز. ولم يكتب "خلاصة لاهوتيّة" بل رسائل، وكلّها في مناسبات مختلفة، تطرَّق فيها إلى موضوعات روحيّة ولاهوتيّة متنوّعة. لقد نظر إلى جميع المشاكل المطروحة عليه، في شتّى الكنائس، من زاوية روحيّة واحدة، قوامها أنّ يسوع الناصرّي المصلوب والقائم من الموت حيًّا هو وحده طريق الخلاص الحقّ لكلّ إنسان. هذا هو محور تفكيره اللاهوتيّ.

استقى بولس الرّسول نظرته اللاهوتيّة تلك من مصادر مختلفة، أهمّها ظهور يسوع له شخصيًّا على طريق الشام، وإيحاءاته الجديدة وظهوراته اللاحقة، ثمّ التقليد الرسوليّة الأولى والكنيسة الأمّ أورشليم، ثمّ معرفته العميقة الثاقبة لكتب العهد القديم وكلّ تاريخ الخلاص. لكنّه سكب في رسائله كل مااستقاه من تلك المصادر المختلفة، في بوتقة تفكيره الشخصيّ القويّ، واختباره الغنيّ الفريد، فصحَّ القول فيه:" إنّه الأوَّل بعد الأوحد". صلاته مَعَنا. آمين.

من كتاب مار بولس الرسول