تأمّل اليوم: البرية والحضور للبشر «أضواء

 

 

 

إذا كانت الحياة الرهبانيّة هي " في العالم " فهي حضور للبشر . وهذا ما عاشه أنطونيوس فعلاً . فبعـــــد انفصاله عنهم ، لم يعودوا له حاجزًا يحول دون اتّحاده بالله ، ذلك لأنّه سبق له أن تحرّر منهم ، مما أدخلــــه في علاقة جديدة بهم لم تَعُد تُعرقل علاقته بالله . فإذ كان الزّوار يتهافتون إليه ، والتلاميذ يأتون إليه ، فإنّه لم يهرب منهم ، بل كان يستقبلهم ويُفيدهم ، كما سنراه؛ وإذ اشتدّت الاضطهادات عن يد الإمبراطورمكسيمانُس  ثمّ احتدّت هرطقة الأريوسيِّين ، فإنّه واجهها فترك عُزلته وتوجّه إلى الإسكندريّة ، وقـد أصبحت هذه المدينة وكرَ الشرِّير .  

فحضوره لعالم البشر لم يَعُد يفصله عن لقاء الله،  بعد مسيرة روحيّـــــــــة وتحرُّريّة ونسكيّة وانفصاليّة؛ كما أن توحِّده  في البرِّيَّة  لم  يفصله عن البشر . ويقول أثناسيوس في هــذا الصدد .أمّا معجزة أنطونيوس ، وهو مُقيم في الجبل فهي أنّه كان يقظَ  القلب (تجاه الناس )وكان الله يُظهر له ما يَحدث (للناس ) بعيدًا عنهم " (عدد 59) . ويجدر بنا أن نُبرز بعض مظاهر حضور أنطونيوس هذا ، وقد أصبحت في ما بعد من صميم حضــور الرهبان لعالم البشر .

وينبغي لنا ، بادىء ذي بدء ، أن نُقرّ  أنّ التقليد الرهبانيّ الشرقيّ يعتبر الراهب مملوءًا من الروح القُدس . فقد قيل في يوحنّا القصير مثلاً :"كان نار الروح  القدس  يلتهمه " . وفي القرن العشرين ، اشتهر في الحياة الرهبانيّة الروسيّة ساروفيم الساروقيّ الذي كان يخرج من صومعــة الصلاة ووجهه يُشع  شعاع  نار الروح  القدس .

  وإن تفوَّه الراهب الممتلىء من الروح القدس ب " كلمات " (REMATA) روحيّة وقام بأفعـــــــــال "قوّة " (DUNAMIS ، فمصدرها هو الروح القدس الذي يهبه " مواهبَ روحيّة " ( CHARISMATA) من أجـــل بُنيان" (OIKODOMEN) جسد المسيح الحيّ ، كما يقول بولس الرسول (1قور12 و14) .

فلنقتفِ  أثر ذلك في سيرة أنطونيوس وغيره من الرهبان . موهبة الصلاة والإيمان تستدعي صلاة أنطونيوس دراسة مُتعمِّق فيها ، بسبب تواترها في سيرة حياته ، وقد صمـّــــــم أثناسيوس على إبرازها . وممّا لا شك فيه أنّ صلاته لم تنحصر في قراءة الكتاب المقــــــــدّس وتلاوة المزامير  والصلوات ، بل كانت صلاةً من أجل الكنيسة والبشر ؛ فكثيراً مانقــــــــــرأ

في سيرته مِثل هذه العبارات : "مُشاركاً إيّاهم في آلامهم ، ومُصليًّا معهم " (عدد 56) ." صعد رجل إلى الجبل ورجا  أنطونيوس أن يُصلِّي من أجله . فصلّى له " (عدد 57) ." طلب ( أرخلاوس ) منه أن يُصلِّي من أجل بولِيكْترا العذراء (...) فصلّى أنطونيوس من أجلها " (عدد61)  . طلب الرهبان منه الصعود إلى السفينة للصلاة معهم (عدد 63) .أحضَروا إلى أنطونيوس  رجلاً من مشاهير الرجال قد دخل به شيطان مُرعب جدًّا ) وطلبوا منه أنّ يصلِّي من أجله . فسهر أنطونيوس معه طوال الليل ، لأنّه أشفق عليه "عدد64  ... فإنّ صلاته هذه هي من علامات حضوره للبشر وتشفُّعه من أجلهم . وأنّ إيمانه بـــــــــــأنّ الله سيستجيب لصلاته موهبةٌ من مواهب الروح القدس لكي يبني الآخرين بإيمانه القـويّ (1 قور 12/9و13/2 ) . وما يسرده أثناسيوس من طلب الناس الصلاةَ من أنطونيوس لأجلهـم

يسمح لنا بأن نُقرّ أنَّ صلاته الاعتياديّة اتّسمت بالحضور والشفاعة حتّى وإن لم يطلب منـــــــه الناس أن يُصلِّي معهم أو من أجلهم؛  ولا نستغرب ذلك ، نظرًا إلى أنّه كرّس حياته للصــلاة . ونورد مثلاً معاصرًا لشفاعة الرهبان من أجل البشر . فيقول الأب متّى المسكين ، وهو من   مُصلحي الحياة الرهبانيّة في مصر ومن مُجدِّديها المعاصرين :"لا يترك الراهب العالم ، بالرغم من المظاهر ، بل إنّه يجذب العالم إلى الله . ففي خروجه من العالم ، لا يعتزل العالم ، بل يعتزل نفسه ، حتى يستطيع أن يحمل العالم إلى الله " .

مواهب " القوة "

لقد سبق أن ذكرنا موهبة الشفاءات الكثيرة التي تمّت عن يد أنطونيوس باسم الربِّ يسـوع . وهي من مواهب الروح القدس . ومن مواهب القوّة ، وهبه الروح موهبة تمييز الأرواح ، فقد ميّز ذات مرّة وجـــود " الأرواح النجسة " من خلال  "رائحة نتنة جدًا"،   فقهرها بكلمة قوّة ، وقد تميّز أنطونيوس بموهبـــــــة إخراج الشياطين . فيروي لنا أثناسيوس كيف كان أنطونيوس يُعنِّف الشيطان ويأمره بالخـروج ممَّن كان يمسُّهم ، وذلك " باسم ربِّنا يسوع المسيح " (عدد63 و64) وبموهبة الروح القـدس ، فضلاً عن التقدُّم في الحياة الروحيّة – من صلاة ونُسك – الذي يُضعف الشياطيــن( عدد 28). والحقُّ يُقال إنّ الروح القدس يستخدم اليوم العديد من الرهبان – على غرار أنطونيــوس – لإجراء شفاءات ومُعجزات من أجل بُنيان جسد المسيح .

مواهب " الكلمة "

ويروي لنا أثناسيوس الكثير من الأمثلة حيث كان الله يُعلن لأنطونيوس في الصلاة عن أمور مُستقبلية مِثل قدوم زوّار إلى الدير (عدد 60 ) ، وعن أمور تحدث في الحاضر مِثل احتيـــــاج راهب في البرِّيَّة إلى ماء وموت آخر عطشًا (عدد59)؛  فكان الروح القدس يهبه هكذا موهبــة النبوءة وموهبة المعرفة . وكان أنطونيوس ، أمام تعجُّب الناس ، " يرجوهم ألّا يعجبوا بـــه ، بل بالربِّ الذي يُعطي قوّة المعرفة " (عدد 62) .

ويقول أثناسيوس في هذا الصدد : "كانت العناية الإلهيّة تُعلن له في الصلاة الأمور التي يتساءل فيها ويطلب معرفتها . فأصبـــح الإنسانَ المُطوَّبَ الذي يُعلِّمه الله" (عدد 66) .

ومن بين مواهب الكلمة ، موهبةُ الحكمة ، فلمّا ازدهرت الحياة الرهبانيّة وكَثُر عدد الرهبـــــان الجدد ، وهب الروح للشيوخ موهبةً جعلتهم يتفوّهون ب" كلمة حياة" لتلاميذهم الذين كانـــــــوا يُطالبونهم بها " أبّا ، قُل لي كلمة حياة " فإنّ " أقوال آباء البرِّيَّة " مليئة بمِثل هذه الطلبــــــــات وبجواب الشيوخ . وليس من باب الصدفة أن يكون عنوان ما كُتب في آباء البرِّيِّة " أقوالهـــم" (apophtegmata) أكثر منه " سِيَرهم " ، لما تتضمّنه أقوالهم من حكمة وهبها لهم الــــروح القدس لكي يُرشدوا تلاميذهم .

فالكلمة التي يُلهم الروحُ الشيخَ بها كلمةٌ بسيطة ، قصيــــــــرة ،مُحيِية ، مُناسبة لما يحتاج إليه التلميذ ، فتملأه فرحًا ونورًا وتعزية؛  وهي كالبذرة التي يبذرهـا الزارع ، فتنمو وتزدهر؛  وذلك لأنّ الروح الذي يُلهم الشيخَ بها هو نفسه الذي يجعل التلميـــــذَ يتقبّلها ويتذكّرها في الوقت المناسب ويعمل بموجبها ، كما سبق أن جعله يطلبها من الشيـــــخ .

وهذا ما يُفضي بنا إلى الحديث عن موهبة الإرشاد الروحيّ والأبوَّة الروحيّة .

موهبة الأبوّة الروحيّة والإرشاد الروحيّ

يبدو أنّ بولس البسيط هو أوّل مَن أطلق على أنطونيوس لقب " أبّا " فقد تركه أنطونيوس ينتظر على باب الدير أربعة أيّام ، ثمّ قال له : " أتُريد أن نأكل كِسرة من الخبز ؟ ، فأجابـــه بولس : " كما تريد ، أبا" . وعندما سأله أنطونيوس يومًا من الأيام رأيه في أن يذهب هــو أنطونيوس – إلى القسطنطينيّة تلبيةً لدعوة الإمبراطور ، أجابه بولس : " إن ذهبت إليهــــا ، دعوك : أنطونيوس ، وإن لم تذهب إليها : أبّا أنطونيوس " فعلى ما يبدو ، لم تكن تسميــــــة المُرشد الروحيّ "أبّا " أمرًا مألوفًا في خارج مصر؛ وأمّا في مصر ، فكان " كُلُّ واحـــــــد (من الرهبان ) يُريد أن يكون ( أنطونيوس ) أباه" (أثناسيوس ) . فقبْلَ حياة البرِّيَّة ، كان لقب " أبّا " خاصًا بالأساقفة فقط ؛  وعندما نشأت حياة البرِّيَّة ، امتــــدّ اللقب إلى النسّاك الشيوخ الذين كانوا يمارسون أبوَّة روحيّة تجاه النسّاك الجدد ؛ فكانت علاقة أب / ابنه  أو مُعلّم / تلميذه .

  •       أهمّيَّة المُرشد الروحيّ

   في سِفر أعمال الرسل حادثُ خازن ملكة الحبش الذي كان يقرأ نُبوءة أشعيا الخاصّــــة بالمسيح ، من دون أن يفهم ما يقرأ ، حتّى أرسل إليه الروح القدس الشمّاس فيليبُّس ليسأله : " هل تفهم ما تقراء ؟ فأجابه الخازن : " كيف لي ذلك إن لم يُرشدني أحد ؟". (8/30-31) فلقد أثّر هذا الحادث – بوعي أو بغير وعي – في أجيال الرهبان لاختيارهم مُرشدًا يـُـقـــدِّم لهم يدَ العون في صعاب حياتهم الرهبانيّة ، ويُساعدهم على النموِّ فيها .

ولا تستــأثر المسيحيّة بذلك ، فإنّ الفيلسوف اليونانيّ سُقراط  كان يحثُّ على ذلك ، ويعتبر أنّ مَن يُفضي بأمر نفسه إلى شخص ، يقوم بعمل هامٍّ للغاية . كما أنّنا نقرأ لدى المتصوِّف ابن عربيّ هذا القول المأثور : " مَن لا شيخ  له ، فإنّ شيخه الشيطان " . فإنّ التقليد المسيحيّ بعامّة والرهبانيّ بخاصّة أوْلى الإرْشادَ الروحيّ بالغ الأهمِّيَّة .

فيقول بالاديوس في هذا الصدد ، مُلخِّصًا التقليد الشرقيّ : "إنّ الذين هم بلا مرشد يسقطون كأوراق الشجر " . وفي التقليد الغربيّ ، تُؤكِّد تيريزا الآبليّة ( 1515- 1582 ) أنّه ينبغي البحث عن مُرشــــد صالح من بين الألف؛ ويُعدِّل فرنسيس دي سال ( 1567- 1622) ذلك ، فيقول إنّه ينبغي البحث عنه من بين عشرة آلاف .

فما مضمون الإرشاد ؟

        *   مضمون الإرشاد 

كان التلميذ يأتي إلى مُعلِّمه ويطلب منه : " أبّا ، قُل لي كلمة "،  كلمة خلاص وكلمــــة حياة ، بقدر ما كلام يسوع هو " روح وحياة " (يو 6/ 63) . فعندما يتفوّه المعلِّم بكلمـة فإنّ " الروح " القدس يملأه ، وبالتالي ينطق المعلِّم بكلمة " حياة" لتلميذه؛ والكلــمـــات البشريّة تحمل في طيّاتها حياة الله ، بإلهام الروح القدس وقوّته . ولذلك قال هيرونيــمُس (347- 420)في شأن الآباء الروحيِّين : "إنّهم يُدعَون آباء لأنّ الروح القدس يتكلّم فيهم " . وإنّ موهبة الكلام هذه يتميز بها ، لا الشيوخ فقط ، بل الشبّان أيضًا . فلمَّا أطلق يِيــمن على أغاثون الشابِّ لقب " أبّا" ، فتعجَّب مُستمعوه ، فسَّر يِيمن  تسميته هذه فقال : " إنّ فمه يجعل (الناس) يدعونه أبّا"

  • وكثيرًا ما كان الآباء الروحيّون يُصمِّمون على الصمت ، لا على الكلام ؛  فلم يتفـوّهــوا بكلمة إلّا إذا ألهمهم الروح القدس بذلك ، وإلا صمتوا ، وإذا شعروا باستعداد تلاميذهــــم وأصبح صمت آباء البرِّيَّة هذا مثلاً يَحتذي به جميع المُرشدين الروحيِّين على مرِّ العصور وفي جميع الأمكنة . فيقول ، في هذا الاتِّجاه ، أحد المرشدين المعاصرين : "اقبلْ في الروح مَن أتى إليك .فهو الروح الذي يُرسله إليك .امكُث في السلام .
     
  • دعِ الكلمة التي تتجاوزك تأتيك بهدوء .فكثيرًا ما ستتحسّر على سرعة كلامك . ونادرًا ما ستندم على تقبُّل الآخر وعلى الاستماع إليه وعلى النظر إليه وعلى اكتشاف ما يُشعُّ في قلبه من نور يتجاوز ظلماته. فمن خلال صمتك هذا تلتقي الروح الذي يقوده وإن جهل ذلك " يسمح الصمت بتقبُّل الآخر وبالا ستماع إليه وبالنظر إليه وباكتشاف النور الذي يُضيء في قلبه أكثر من ظلماته" (جان لايلاس اليسوعيّ).

ويقول مُرشد آخر : "إنّ نظرتي إلى الآخر تُبدِّله وتُعيد خلقه " (جان قِرنيت).

  • وما يتعدّى الكلامَ والصمتَ هو القُدوة؛  فأعظم تعليم يكمن في المَثل الصالح والقُدوة الحسنة ؛  لأنّ المرشد هو " أبّا" بكيانه كلِّه وتصرُّفاته جميعها . لذلك قال أثناسيوس في شأن أنطونيوس:   "عندما رأى الكثيرون أسلوب حياته

أظهروا رغبة في الاقتداء به " (عدد46 ) . وثمّة قول مأثور مُدوَّن في " أقوال " آباء البرِّيَّة :"إنّ الحكيم الحقيقيّ هو ذاك الذي لا يُعلِّم بكلماته بل يُربّي بأفعاله " .   فإنّ المعلِّم يُشرك تلميذه – لا بكلامه ، بل بحياته – في حياته الروحيّة العميقة ، وفي ما يحمله في قلبه من سرِّ الله ، وفي ما يسكن فيه من حياة الله .

وبالتالي ، فإنّه يشهد بما يصنع إليه الربُّ وبما يمنحه من حرِّيَّة بنويّة ونموٍّ روحيّ . ويُبرز لنا التقليد الرهبانيّ الشرقيُّ رغبة التلاميذ في أن يروا مُعلِّمهم ،انطلاقًا ممّا قال أحد التلاميذ لأنطونيوس ، ذلك التلميذ الذي صمت ولم يُوجِّه لأنطونيوس سؤالاً : " يكفيني أن أراك" (القول 27) . فحسْبُ التلميذ أن يرى مُعلِّمَه وأن يقيم معه وأن يتنعّم بحضوره ، شأنه شأن يوحنّا الحبيب الذي سمع ورأى وتأمّل ولمس يسوعَ المُعلِّمَ و"كلمةَ الحياة "(1يو1/1ت،يو1/4).

  •        استعداد التلميذ

في سبيل أن يجني التلميذ فائدة وثمرة من حياة مُعلِّمه وكلامه وصمته ورويّته ، عليه أن يتحلّى ببعض الصفات الروحيّة نذكر منها :

  •        الصراحة والشفافيّة

لقد أوصى أنطونيوس الرهبان في خُطبته الشهيرة : "يا أولادي ، أحملوا إلى أبيكم ما تعرفونه " (عدد 16 ). فمَن أخفى على مُرشده ما يدور في قلبه من أفكار وتجارب وتطلُّعات ...، أفسد علاقته وحرّم على نفسه أيّة فائدة من الإرشاد . والحقّ يُقال إنّ هذا الموقف مبنيٌّ أساسًا على نظرة إيمانيّة أكثر منه على نظرة تعاطف مع المرشد التي قد تأتي في مرحلة  لاحقة .ثمّ إنّه ينبني تدريجًا مع مرور الوقت ، فترداد الثقة المتبادلة بين الطرفين .

  •        التواضع والطاعة

إنّ التلميذ ، حين يأتي إلى مرشده بكلِّ ثقة وإيمان ، وبروح تسليم واعتراف بأنّ كلامَـــه كلامُ الله له ، يتركه مُصمِّمًا أن يُطيع ما قاله له ، وذلك بكلِّ تواضع وخضوع وبـــــروح  الطاعة البنويّة . وثمّة قول آبائيٌّ مأثور بشأن عدم الطاعة :"أتى بعض الإخوة إلى الأبّا  فيليكْس،  ومعهم رجل من العالم ، وترجّوه أن يقـــــول لهم كلمة . ولمّا ترجّوه طويلاً ، قال لهم :

"أتريدون أن تسمعوا كلمة ؟ . فأجابوا : "نعم ، يا أبّا " . فقال لهم الشيخ : " من الآن لــم تَعُد هناك كلمة . فلمّا كان الإخوة يسألون الشيوخ ويُتمِّمون كلامهم ، كان الله يُظهر لهـــم ما عليهم أن يقولوه . وأمّا الآن ، فلأنّهم يسألون ولا يُتمِّمون ما يسمعون ،فـــــــإنّ الله قد سحب نعمة الكلمة من الشيوخ ، فهم لا يجدون ما يقولون ، بما أنه لم يَعُد هنــــــــاك مَن يفعلون " وأمّا الإخوة ، فإذا سمعوا هذه الكلمات ، أنُّوا وقالوا : " صلِّ لأجلــنـــا ،يا أبّا".

ويُذكِّرنا هذا القول بقول عاموس النبيّ : " ها إنّها ستأتي أيّام ، يقول السيِّد الربّ أرسل فيها الجوع على الأرض لا الجوع إلى الخُبز ولا العطش إلى الماء بل إلى استماع كلمة الربّ .فيمضون مُترنِّحين من بحر إلى بحر ومن الشمال إلى المشرقويطوفون في طلب كلمة الربّ فلا يجدونها " (8/11-12) .

فمغزى ذلك أنّ الروح يُلهم المُرشد بقدر ما يتشوّق قلب التلميذ إلى استماع كلمـة خلاص وحياة ، وبقدر ما يُصمِّم على طاعتها وتحقيقها في حياته . وإلّا كفّ الروح عن إلهـــام المُرشد ، لأنّ الروح الساكن في قلب التلميذ والعامل في عقله ورغبته وإرادته هــــــــــو الروح نفسه المُلهم المُرشدَ كلمةَ خلاص وحياة . فالروح تيّارٌ يجمع الطرفين ويُوحِّدهما.

ونجد في التقليد الفرنسيسيّ نبرة مُختلفة بشأن الشخص المُطاع . فإنّ روحانــــيـّـــة فرنسيس الأسيزيّ ( حوالى 1182- 1226) ، تعتبر أنّ المَثل الأعلــــى هو " الخضوع لجميع الإخوة " . لأنّ لكلِّ أخ شيئاً يُفيد به إخوته الرهبان : "بثقة كاملة ، فلينفتح كلُّ أخ على أخيه بشأن حاجاته ... لِيُحبَّ ويُغذِّي كلُّ واحـــــد أخاه بحسب إمكانات ما يمنحه الله من نِعَم – كالأمِّ التي تُحبُّ وتُغذِّي ابنها ..." (القانـــــــــون الفرنسيسيّ 1/9، 10) .

ويتمُ ذلك ، لأنّ جميع الإخوة يرغبون "فوق كلِّ شيء أن ينالوا روح الربِّ وعملَه المقدّس " ( 2/8). ويعتمد ذلك على كــون الإخوة جميعًا إخوة  "الأخ البكر " ، وبالتالي " أبناء الآب " ، فيساعد الأخ الراهبُ أخاه لِيَلد لدعوته البنويّة ، أي ليكتشف دعوة الآب له ، فيتجاوب معها بملء حُرِّيَّـتـه (2/10).  فسواء أكان الخضوع والطاعة لشخص المرشد ( في التقليد الرهبانيّ الشرقيّ بوجــه عامّ) ، أم لشخص الرئيس (في التقليد الرهبانيّ الغربيّ بوجه عامّ ) ، أم للإخوة بعضـهم لبعض (في التقليد الفرنسيسيّ بوجه خاصّ ) ... فأيًّا كان الشخص المُطاع ، فـــــإنّ الله ، في نهاية الأمر ، هو المُطاع من خلال الوساطة البشريّة .

  •        بين الطاعة والحرِّيَّة

ليست الطاعة ولا الخضوع تقليلاً من شأن حرِّيَّة الراهب ، ذلك بأنّ الراهب يخــتــار أن يُحقِّق حرِّيَّته من خلالها ، بموجب نذر الطاعة، ولا سيّما في التقليد الرهبانيّ الغربيّ.   ولكن قد ينشأ " اعتراضٌ ضميريٌّ " على أمر المرشد أو الرئيس أو السلطة الكنســيّة ؛  وفي هذا الموقف – النادر بوجه عامّ – على الراهب أن يتبع ضميره . ويقول البـــابـــــا بولس السادس في هذا الصدد : " لا يجوز للراهب أن يقبل بسهولة التناقض بين حكم ضميره وحكم رئيسه " . ولقد سبق أن خاطب أوغسطينس – بحكمته وفطنته – التلميذ الذي يتلقّى نصيحة مُرشـده وتشجيعه ، فقال له : "استمِعْ إلى ما يُجيبه قلبك حتّى تعرف مدى تقدُّمك " .

  •     جدليّة فائدة الإرشاد

إن كان التلميذ يستفيد من مُعلّمه ، غير أنّ المعلّم أيضًا يستفيد من تأديته خدمة الإرشاد استفادة روحيّة شخصيّة ، قد عبّر عنها الأب متّى المسكين تعبيرًا رائعًا يستدعي التوقُّف عنده" إنّ ما وهب لي الله بشأن خبرة النفوس ، يتجاوز ما وهب لي شخصيًّا ، حتّى إنّنــــــي أتعذّى بالفتات الذي يتساقط عن المائدة التي يُعدُّها الله للآخرين من خلالي " . ولا عجب من ذلك ، لأنّ كِلا المعلّم والتلميذ " يحملان الروح " ويستمعان إليــــــــه ، وكلاهما يبحثان عن إرادة الآب ، وكلاهما مُكرّسان لشخص يسوع المسيح ويقتديان به فإنّ الفائدة تعمُّ عليهما .

  •        نوعيّة علاقة المعلّم / التلميذ

لقد استشففنا مما سبق علاقة بين الأب الروحيّ وابنه الروحيّ ، أو المعلّم وتلميذه ؛ فنستشعر أنّ العلاقة هذه مميَّزة ، تتّسم بنوعيّة خاصّة تستأثر بها ، ألا وهي الولادة الروحيّة .

  •        منبع الولادة الروحية : الثالوث

مثلما أعلن يسوع لنيقوديمس أنّ هناك الولادة بحسب الجسد وهي جسديّة ، وهناك الولادة بحسب الروح وهي روحيّة ( يو 3/6) ، هكذا فإنّ العلاقة الأب الروحيّ / الابن الروحيّ تشترك في الولادة الروحيّة ، أي الولادة بالروح القدس ، ولذلك يُدعى المرشد أو المعلّم أو الأبّا " روحيًّا " . ومثلما هناك " آب واحد هو الآب السماويّ " (متى 23/9) و" منه تستمدُّ كلُّ أبوّة اسمها في السماء والأرض " ( أف 3/15) ، هكذا فإنّ الروح القدس يُشرك الأب الروحيّ في أبوّة الله الآب ، ليلد في الروح وبه ابنَه الروحيّ . ومثلما هناك " مُعلِّم واحد " و"مرشد واحد وهو المسيح "(متى 23/8 و10) ، هكذا فإنّ الروح القدس يُشرك المرشد الروحيّ والمعلّم في صفات يسوع المرشِد والمعلِّم .

  •       هدف الولادة الروحيّة : المسيح – العريس

إن كان منبع الولادة الروحيّة هو الثالوث ولا سيّما الآب الذي يُشرك فيها الأبَ الروحيّ ، فإنّ هدفها هو يسوع المسيح . ويُخاطب بولس في هذا الصدد أبناءه الروحيِّين فيقول لهم :

" يا بَنيّ ، أنتم الذين أتمخّض بهم حتّى يُصوَّر فيهم المسيح " (غل 4/19 ) . فيسعى هكذا الأب الروحيّ أن يتجسّد المسيح في ابنه الروحيّ ويسكن فيه ويحيا فيه   ثمّ إنّه يهدف أن يضع ابنه – العروس بين يَدي المسيح – العريس ، مُعتبرًا نفسه

" صديق العريس " مِثل يوحنّا المعمدان : " مَن كان له العروس فهو العريس .

 وأمّا صديق العريس الواقف ليستمع إليه فإنّه يفرح أشدّ الفرح لصوت العريس .

فهوذا فرحي قد تمّ .لا بدّ  له من أن يكبر ولا بدّ  لي أن أصغر " (يو 3/29-30 ) .

فالمرشد يتمثّل بالمعمدان ، فلا يعتبر تلميذَه وابنه " غنيمة " له ، بل إنّه " يتجرَّد من ذاته " – بحسب قول بولس في المسيح نفسه ( فل 2/6-7) – ليقود تلميذه إلى " حضن يسوع " – بحسب قول يوحنّا الحبيب في نفسه ( يو 13/23) - .

ويوصي إغناطيوس دي لويولا مُرشدَ الرياضات الروحيّة بهذه القاعدة الذهبيّة ، وهي أن يتصرَّف المرشد بحيث " يُشرك الخالقُ السيِّد النَّفْسَ الأمينة في ذاته ، مُعانقًا إيّاها في حُبِّه وتسبيحه (...) تاركًا الخالق يعمل مباشرة مع خليقته ، والخليقة مع خالقها وربِّها " ( الرياضات الروحيّة – عدد15).

فقد يمنح المرشد نصائح ، وقد تربط بتلميذه علاقة شخصيّة حميمة ، إلّا أنّ الأولويّة المُطلقة هي علاقة الله بخليقته . فالمرشد هو " شاهد " للمسيح ، كما أنّ المسيح شاهد للحقّ .ولقد صرّح أوغسطينس لابنته الروحيّة  فلورانْتينا :

" الذي يُعلّمكِ هو المعلّم الداخليّ ، معلّم الإنسان الباطن " .كما أنّه قال :

" لا أنا ، بل معي فكلانا تلميذان في المدرسة عينها .ونحن نتعلَّم من المعلّم الوحيد المسيح " .

  •        واقع العلاقة الروحيّة

 إن الولادة الروحيّة تتضمّن الحياة التي يمنحها الأب الروحيّ باسم الربّ ، والحياة التي يقتبلها الابن الروحيّ ، ممّا يُشيِّد علاقة وطيدة حميمة بين الأب وابنه ، وهي تتجاوز الإرشاد ودور التعليم . وفي هذه العلاقة نبرة وجدانيّة عاطفيّة ، تمثّلاً بالعلاقة التي كانت تربط يسوع ب" التلميذ الذي كان يُعزُّه " . ونجد هذه النبرة في سيرة أنطونيوس كما يرويها أثناسيوس ، حيث يُظهر" الجميع يُحبُّون أنطونيوس ويدعونه إلى أن يكون أبّا  لهم " ( عدد 81 ) .فكانوا جميعًا " كالأبناء الذين يتذكّرون أباهم " (عدد 50 ) .

وعندما رقد ، " كانوا كأيتام الأب " (عدد 88) . وذلك لأنّه " كان يُرشدهم كأب " (عدد 15) .وبصفته أبّا ، كان " لا يستطيع أن يخفي شيئاً على أبنائه " (عدد 67 )

مُتمثّلاً هكذا بيسوع نفسه الذي أطلع تلاميذه الأحبّاء على كلّ شيء (يو15/15)

وإنّ علاقة المرشد والمعلّم بتلميذه مزدوجة ، فهي علاقة الأب بما يتميّز به من حزم بالعبريّة  " إمِيتْ ") ، وعلاقة الأمِّ بما تتميّز به من حنان ( بالعبريّة " حِسِّدْ " ) ، علـى مِثال الله الذي يجمع بينهما في علاقته بشعبه .

وكما يتعامل الأب والأمُّ مع ابنهما على أنّه فريد من نوعه ، هكذا فإنّ الأب الروحــــيّ يستقبل ابنه الروحيّ ويستمع إليه ويتحدّث إليه ويخاطبه بأسلوب فريد من نوعه ، مُتأقلمًا واحتياجه . ويظلُّ مَثل يسوع المَثل الأعلى ، إذ كان يتعامل مع كلِّ شخص – نيقوديمُـس أو المرأة السامريّة ، يوحنّا أو يهوذا – ومع كلِّ فئة – الخطأة أو الفرِّيسيِّين ، التلاميـذ أو اليهود – معاملة تأخذ بعين الاعتبار، بل وتحترم فرادةَ كلِّ مَن هو أمامه.

ولا تخلو العلاقة من المخاطر والالتباسات ، وهي تتلخّص في احتمالَين ، إمّا المغالاة في العلاقة وإمّا الحياء إزاءها . فأمّا المغالاة فهي المغالاة في الأبوّة الروحيّة ، بيــــد أنّ الحقيقة تكمن في أنّ الله وحده أب؛  وفي الإرشاد الروحيّ ، بيد أنّ المسيح وحده معلِّــــم ومرشد ؛ وفي الولادة الروحيّة ، بيد أنّ الروح وحده يلد للحياة الروحيّة . وأمّا الحيـــــاء فهو التخوُّف من ممارسة الأبوّة وإشراك الأب الروحيّ ابنه في حياة الله الممنوحة لهمـــا والممنوحة للابن عن طريق الأب . فأمّا العلاقة الروحيّة الحقيقيّة فتتضمّن تقبـُّـــلَ الأب حياة الله ليُشرك فيها ابنه الروحيّ تقبُّلاً متواضعًا تجاه هبة الله لهما ، وتقبُّــــلاً لإرادة الله في منح حياته لهما. هكذا فإنّ حياة الله تُكتَسَب من منبعها إلى هدفها ، بـدون أن يحتجزها الأب . فلا غُبار بالتالي إذا اتّحد الأب والابن بالروح ، إذ إنّ في اتِّحادهمـا هذا اعترافًا متبادلاً واحترامًا متبادلاً ، وحرِّيَّة ومحبّة ويتحوّل ذلك كلُّه إلى شكر لله علـــى ما يعلمه في الأب الروحيّ وفي ابنه الروحيّ .

الخاتمة

هذه هي أهمُّ عناصر حضور الراهب للأشخاص ، واستخدام الروح القدس له عالــــــــــم الأشخاص ، " لمنفعة الآخرين " (عدد 94 ) ، خصوصًا في التقليد الشرقيّ .

وختامًا لكلامنا ، نستشهد بمَثلين ، أحدهما من القرن الثالث والآخر من هذا القــــرن العشرين .يورد أوريجانيس سؤال الرهبان لمرشديهم : " ماذا يجب أن أفعله لأخلُص ؟ " ، وأمّــــا الإجابة فهي واضحة : " المُساهمة في خلاص العالم " . فلا يترهّب ليخلص ، بــــــــــل ليساهم في خلاص البشر ، ومن خلال ذلك فإنّه يخلص . ويقول الشيخ سِلْوانُس (1866- 1938) الروسيّ الأصل والمُترهِّب في دير جبــــل آثوس اليونانيّ : منذ أربعين سنة وأنا أتألّم في سبيل شعب الله . فقد مرّت أربعون سنة منـــــــــــذ أن علّمَتني نِعمة الروح القدس أن أحبّ جميع البشر وكلّ الخليقة . كما أنّها أوحت إليَّ حِيَلَ الشرِّير الذي يعمل بخداعه شرَّه في العالم " .

وتتمحور مساهمة الراهب – وأيّ مسيحيّ ، بموجب معموديّته التي تجعلــــــه " كاهنًا " بالكهنوت العامّ- في خلاص العالم مع الله،حول ثلاثة أقطاب مُتكاملة لا تعـرف التجزئة : عمله ( ACTION)  وآلامه  (PASSION)  وصلاته . ويختلف الراهب المُعتــــــــــــزل المجتمع عن الراهب الخادم في المجتمع، أو يختلف الراهب عن العلمانيّ، لا فــــــــــــي الجوانب الثلاثة هذه ، بل في النسبة التي يُخصِّصها كلُّ مسيحيّ لكلِّ جانب من الجـوانب الثلاثة ؛ فهناك مَن يُشدِّد على الصلاة ، وهناك من يُركِّز على العمل ، وهناك مَن يُشــدِّد على الآلام ، كلٌّ بحسب دعوة الله له وحالته الحياتيّة وشخصيّته .