الله، الكثير المحبّة والوفاء «أضواء

 

 

 

تُركّز جميع النصوص الليتُورجيّة في، عيد الثالوث الأقدس، على محبّة الله. هذه المحبّة هي البوابة الوحيدة التي يمكن الدخول منها للقيام بمحاولة متواضعة لفهم شيء ما من هذا السرّ الذي لا يمكن إدراكه لإلهٍ ثالوث، إله واحد آب، إبن وروح قدُس.

لنحاول فهم الخبرة التي عاشها موسى، ومن بعده القدّيس بولس، والإستماع بعد ذلك إلى شهادة يسوع نفسه.

موسى، بولس ويسوع:

صعدَ موسى إلى جبل سيناء وطلب من الله أن يُريه مجدهُ. فأجابه الله بأنّه لا يمكن للإنسان أن يرى مجد الله ويبقى حيّاً (خر 3 3: 20). لكنّه مع ذلك سيُعطيه نعمةً: وهي أن يرى ظهرهُ (خر 33: 23). وعندما مرّ الربّ قُدّامهُ نادى: «أنا الربّ، إلهٌ رحيم ورؤوف، طويل الأناة، كثير المحبّة والوفاء.» ( خر 34: 6).

أسرع موسى واستغلّ هذه الفرصة فقال: إن كنتَ كمال المحبّة وقد نِلتُ حظوةً في عينيك، فلتغفر لشعبكَ رغم خيانته واتّخِذنا شعبًا لكَ.

ونعرف أنّه بعد لقائه بهذا الإله «الكثير المحبّة والوفاء» نزل موسى من الجبل وكان وجههُ مُشعًّا، من كثرة مخاطبة الربّ لهُ (خر 34: 29).

بولس، السّقط كما يُسمّي نفسه، غَمَرتهُ هو أيضًا نعمة إله المحبّة والسّلام هذا وجعلَتهُ يتجلّى، حتى أنّه يُحيّي أهل قورنتس بتحيّة مليئة بالغنى والروعة، لدرجة أنّه تمّ إدراجها في صلواتنا الليتورجيّة اليوميّة. فنحن نبدأ دومًا صلاة القدّاس بالتحيّة التي أرسلها بولس إلى أهل قورنتس (2 قور 13: 13): «نعمة ربّنا يسوع المسيح، ومحبّة الله (الآب) وشرِكة الرّوح القدس لتكُن معكم جميعاً».

ويسوع في لقائه بنيقوديمُس، يغمرنا بهذا التصريح الفريد: «هكذا أحبّ الله العالم حتّى أنّه جادَ بإبنه الوحيد لكي لا يهلك كلّ مَن يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبديّة». (يو 3: 16)

الله- الثالوث: 

هذا السرّ لإله هو حُبّ بلا حدود، دعاه اللاهوتيّون عبر العصور، الثالوث. هل سنكون قادرين على فهم هذا السرّ؟ هل يمكن تفسير الحُبّ في عمق أغواره؟

في القرون الوسطى، حاول المسيحيّون الذين يعيشون في العالم الإسلاميّ أن يُفسّروا سرّ الله، الواحد والثالوث، لجيرانهم المسلمين بطريقة مبسّطة نوعًا ما، فقالوا: يمكن تشبيه سرّ الثالوث بالشمس، فهي واحدة ووحيدة وبنفس الوقت لها شكل ونور وحرارة، أو التفاحة التي هي واحدة ووحيدة في شكلها، لونها وطعمها؛ أو أيضًا ثلاثة نوتات موسيقيّة يمكن عزفها معًا في انسجامٍ تام، إلخ...

ولكن، كيف يمكن لهذه التفسيرات العلميّة الزائفة أن تفسّر سرّ حُبّ كامل وبلا حدود؟ ولا تُدرِك أنّ محبّة الله، لا يمكن أن تكون واحدة ووحيدة، بمعنى أنّها بعيدة ولا يمكن الوصول إليها، من دون تغيير وبدون حركة. الحُبّ هو علاقة منبعها يُدعى الآب والثمرة الإبن والقبلة بين الاثنين- قبلة دائمة وبمنتهى الكمال – الرّوح القدس؟

خاتمة: 

هذا الإله الثالوث أراد بتجسّدهِ أن يدمجنا في هذا الحُبّ الذي يتجاوز كلّ ما يمكن للإنسان أن يتخيَّلهُ والذي يجعلنا نحيا ويملأ أرضنا – على الرغم من الحروب والكوارث الطبيعيّة – وقلوبنا – على الرغم من الكراهية والتعصّب الدينيّ-  بالفرح والرجاء.

لذا ليس هناك من تحيّة أجمل من أن نقول بعضنا لبعض: «نعمة ربّنا يسوع المسيح، ومحبّة الله الآب وشرِكة الرّوح القدس لتكُن معكم جميعاَ»، كاثوليك، أرثوذكس وبروتستانت، مؤمنين وغير مؤمنين، ذوي البشرة البيضاء والسوداء، الأغنياء والفقراء.

في هذا الإله الكليّ المحبّة، الإله الثالوث، الجميع أصبحوا إخوة وأخوات، وكلّ إنسان أصبح قريبي.

الأب هانس بوتمان اليسوعي