القربان الأقدس «أضواء

 

 

 

كيف يمكننا أن نتكلّم بعظةٍ قصيرة عن موضوعٍ يملأ الكلام عليه آلاف المجلّدات؟ فالقربان المقدّس، جسد المسيح ودمه، سرّ لا يمكننا أن نسبر غوره مهما بحثنا فيه وتكلّمنا عليه. لذلك سنحصر كلامنا في عبارة: قربان.

القربان في قاموس الميثولوجيا هو ما يقدّمه الإنسان للآلهة كي ينال منها ما يريده. إنّه عمليّة أخذٍ وعطاء، عمليّة تبادل هبات، فيها تقترب المسافة بين الإنسان والإله. وفي الإيمان المسيحيّ، ينعكس المسار. فلا يبادر الإنسان بتقدمة القربان، بل الله هو الذي يقدّم ذاته قربانًا، ويتمنّى أن يقدّم مَن يتناول هذا القربان ذاته. المسافة بين الإنسان والله في الإيمان المسيحيّ تقترب بمبادرة من الله لا بمبادرة من الإنسان.

لقد اختار يسوع تأسيس هذا السرّ في وليمةٍ ليتورجيّة هي الوليمة الفصحيّة، ذكرى وليمة تحرّر الشعب من العبوديّة، ودخوله في عالم الحرّيّة. وللتحرّر شروط أوّلها الإستعداد للتخلّي: تخلّي عن عادات، تخلّي عن سلوكيّات، تخلّي عن ممتلكات، وحتّى تخلّي عن الحياة: «مَن حَفِظَ حياتَه يَفقِدُها، ومَن فَقَدَ حَياتَه في سبيلي يَحفَظُها» (متّى 10: 39). فالتقرّب من الله، الإقتراب من النار الإلهيّة (القدّيس يوحنّا الصليب) لا يتمّ بالتمسّك والتشبّث بل بالتخلّي، بالترك، بالخلع: «إخلع نعليك من رجليك» (خر 3: 5).

في كثيرٍ من الأحيان، نسعى في التناول إلى تكديس الثروات الروحيّة مع الثروات المادّيّة التي نمتلكها، من دون أن نتخلّى عن شيء. والسؤال الواجب طرحه قبل التقدّم لتناول جسد الربّ ودمه هو: هل أنا مستعدّ للتخلّي؟ عن ماذا، وبأيّ مقدار. 

لا نقصد بكلمة تخلّي هنا أن نتخلّى عن العادات السيّئة والخطايا والميول المنحرفة. فالتخلّي عن هذه بديهيّة تعلنها جميع الديانات ولسنا بحاجة إلى مفهوم القربان المقدّس كي نعملها. المقصود هو التخلّي عمّا هو غالٍ ونفيسٍ من الأرضيّات التي أملكها، ما هو عزيز على قلبي منها، ما أنا متعلّق به شديد التعلّق. 

بهذا الإستعداد الحقيقيّ للتخلّي، وبه فقط، يكتمل سرّ الحبّ بين المتناول وإلهه، الذي يُرمَزُ إليه، بكلّ ما في كلمة رمز من معنى، بالتناول، الخبز والخمر، جسد المسيح ودمه. هذا ما يسمّيه اللاهوت تبادل الهبات. 

فالحبّ ليس أخذًا فقط وليس عطاءً فقط، الحبّ الكامل هو أخذ وعطاء. فإذا أردنا أن يكون الحبّ رباطنا مع الله، وأن يكون هذا الرباط كاملًا، عليه أن يكون أخذًا وعطاء. أمّا الأخذ فهو المسيح نفسه، الّذي يبذل حياته لأجلنا، ونأخذه في سرّ القربان المقدّس. فما الذي نعطيه بالمقابل؟ إنّه يعطينا ذاته بطريقةٍ ملموسة، فما الذي نعطيه بطريقةٍ ملموسة أيضًا؟ إنّه يعطي نفسه بطريقةٍ فعليّة لا كلاميّة فما الذي أعطيه بالطريقة نفسها؟

إنّها تساؤلات صعبة، وقد يشعر مَن يطرحها على نفسه بصدق وبدون تهرّب بشيءٍ من التردّد. وهذا التردّد صحّيّ. إنّه علامة على أنّنا في الطريق الصحيح، طريق الحبّ، طريق تبادل الهبات، طريق الحرّيّة الحقيقيّة الّتي تبدأ بالاستعداد للتخلّي، والخطوة التالية هي التخلّي التدريجيّ الفعليّ حتّى يصل هذا التخلّي ذروته وهي التخلّي عن الذات ووضعها بين يديّ الله: «بين يديك أستودع روحي» (لوقا 23: 46). 

لو تساءل كلّ مؤمنٍ يحضر القدّاس هذا التساؤل، أقصد: هل أنا مستعدّ للتخلّي، هل سنجد طوابير الناس تصطفّ للتناول كما نجدها اليوم؟ لا أدري! ربّما عليّ ألّا أرفض دعوة الربّ لي: خذ وكل هذا هو جسدي، على الرغم من شعوري بالعجز عن التخلّي، ولكن عليّ أن أتناول بقلبٍ منسحق، وفكرٍ خجولٍ، وروحٍ مرتبكة لأنّي لستُ مستحقًّا، بيد أنّني أتناول على رجاء، أن يمنحني القربان قوّةً تجعلني أتخطّى تعلّقاتي وأبدأ بمسيرتي نحو الحرّيّة الّتي بذل المسيح ذاته كي يمنحني إيّاها.

بقلم الأب سامي حلاّق اليسوعيّ.