الشهادة سرٌّ مُعاش! أن أكون شاهداً يعني أن أكون سِرًّا مُعاشاً «أضواء

 

أنا اليوم كمسيحيّ يعيش في القرن الحادي والعشرين هل أنا ذاهبٌ إلى مكانٍ ما؟ هل أنا متَّجِهٌ صوب هدفٍ نهائيّ؟ هل هناك غايَة معيَّنَة مِن أيّ شيء، حتّى أثناء استيقاظي في الصباح؟

 

إنَّ الله خرجَ للبحثِ عنّا فوجدَنا. فهو حاضرٌ دائماً في حياة جميع البشر حتّى في أولئك غير المعروفين بالنسبة لنا، والذين لا اسمَ لهم. إنَّ إلهنا حاضر أمامنا في جميع الأوقات. ونحن كمسيحيّين نؤمن بأنّ تجسُّدَ المسيح بيننا، أصبح هو مصدرَ الحرّيّة، والسعادة والمحبّة.

فعندما نقرأ سِيَرَ الشهداء نلاحظ دائماً أنّهم كانوا يذهبون إلى الموت بحرّيّة من أجل إيمانهم بالله الواحد، وبإبنه يسوع الذي تجسَّد ومات وقُبر وقام في اليوم الثالث من أجل خلاصنا، وكانوا يُساقونَ إلى الموت فيما الفرحُ والسلامُ الداخليُّ يشعُّ على وجوههم، صافحين عن قَتَلَتِهِم. كان كلُّ سَعيِهِم خلال حياتهم هو التوجُّه إلى الله، فأصبح لحياتهم واستشهادهم معنًى. وأنا اليوم هل أعيشُ الشهادةَ مثلَهُم؟

كتب الكاردينال سوهارد، رئيس أساقفة باريس في أربعينيّات القرن الماضي:" أن أكون شاهداً لا يعني أن ألتحق بحملات الدعاية ولا أن أُثير مشاعر الناس، بل يعني أن أكون سِرًّا مُعاشاً، وأن أحيا بطريقةٍ ما حيث لا يكونُ لحياة المرءِ أيّ معنًى مِن دون وجود لله". فينبغي أن يكون هناك شيءٌ في حياتي كمسيحيّ يحيِّرُ الناسَ ويجعلُهم يتساءَلون عمّا هو هذا الشيء المهِمّ في صميم حياتي.

إنّ ما يُميِّزُنا كمسيحيّين عَنِ الآخَرين، هو نفسُه الذي ميَّزَ الشهداءَ القدّيسِينَ أيضاً، فليس البلدُ ولا اللغة ولا العادات،إذ إنّنا لا نقطن في مدن ولا نستخدم طريقة كلامٍ خاصَّةٍ بنا، وحياتنا لا تتضمَّنُ أيَّ نوعٍ من الخصوصيَّة. فأسلوب عيشنا لم يتِمَّ ابتكارُه. إنَّنا نقطنُ في المدن المتحضِّرَة كما في المدن غير المتحضِّرَة، كما أنّنا نتبع عادات السكّان الأصليّين في ما خصَّ المأكل والملبس وبقِيَّةَ أساليب الحياة المتَّبَعَة في بُلدانِنا. وكمواطنين نشارك الآخَرين في كلّ شيء، ونتحمّل كلّ شيء كما لو كنّا غُرَباء عن البلاد.

لذلك فالادِّعاءُ بأنّ هناك شيئاً مختلفاً ومؤثّراً يخصّ طريقة عَيشِنا قاد الناس منذ نَشْأةِ المسيحيّة إلى أن يقفوا ويتساءلوا. كتبَ ترتليانس في القرن الثاني الميلاديّ أنّ الناسَ مندهشون لِكَونِ المسيحيّين يحبّون بعضُهم بعضاً.

إنّنا كمسيحيّين نجتمع في القدّاس الإلهيّ كي نتذكّر روايَتَنا التأسيسيَّة، التي منها نجد معنًى لحياتنا. ولا زالت الرِّوايَة التي تروي عن اللحظة، في حين لم يكن ثمّة روايةً أُخرى، هي اللحظة التي تفكَّكَت بها الجماعة، والمستقبل تبدّد. فاليهود وكذلك التلاميذ كانوا ينتظرون مجيء المسيح لكي يحرِّرَهم من الرومان، كانوا بانتظار ملك زمنيّ، لكنّ الأحداث التي جرت كانت تدلّ كلّها إلى أنّ الفشل بات محتَّماً، ممّا دفع ببطرس بأن يضرب الجنديّ بالسيف (يو 18 :10). فجأةً فقد التلاميذ كلّ شيء يقولونه عن مكان ذهابهم، فبدا لهُم بأنّ يسوع قد أخفق، وكانت الخسارة هائلة. إنّ بطرس كان قد رأى مجد يسوع في التجلّي ومن خلال العجائب التي كان يقوم بها، وكذلك باقي الرسل، فجعلوا رجاءَهم بشخص يسوع الذي قال عن نفسه أنّه هو الطريق والحقّ والحياة (يو14 :6).

أسلافُنا المسيحيّون، عاشوا ضمن روايةٍ كانت تعود إلى عمليّة الخلق وتتطلَّع إلى الأمام نحو الملكوت، أي أتينا من الله وسنعود إليه ثانيةً.يقول القدّيس توما الأكوينيّ: "الرجاء هو من أجل مستقبلٍ عَسيرٍ لكنّه ممكن وصالح". الرجاء هو الفضيلة الإلهيّة التي بها نرغب في ملكوت السماوات والحياة الأبديّة، ورغبتُنا في السعادة التي وضعها الله في قلب كلّ إنسان، عبر تمجيد الله وخدمته. كان رجاءُ الشهداء يقومُ على أنّ في الله يجدونَ امتلاءَهُم، وأنّ وطنهم النهائيّ هو في الله.

و أنا اليوم هل كلّ ما أقوم به من أعمال صغيرة في حياتي اليوميّة يُعَبِّر عن هذا الرجاء؟ هل أسعى إلى مجدي الخاصّ أم إلى مجد الله؟

يسوع لم يفتح عيون جميع العميان في إسرائيل، كما أنّه لم يحلّ مشاكل جميع حفلات الأعراس عندما كان الخمر ينفد. هذه كانت علامات صغيرة من الكلمة التي تخرج من فم الله التي تخلق الأشياء وتعيد خلقها. كذلك الله لم يَدَع جدعونَ يضربُ المديانِييّن إلاّ بعد أن انخفض عدد جيشه من 32000 إلى 300 رجل.

إذن فالأشياء الصغيرة جميلة في الكتاب المقدَّس؛ "ما تفعلونه لأحد أخوتي الصغار فذلك تفعلونه لي" (مت 25 :40). إذن فالأعمال الصغيرة التي نقوم بها يوميّاً هي الصلاة التي بها يجيءُ الملكوت، وهي أيضاً الكلمة التي تخرج من فم الله والتي تجعل الملكوت قريباً. فالشهداء تبعوا مثال يسوع المعلِّم، التي كانت أعماله خلّاقَة ومُحَوِّلة: حينَما تحكَّمَ بمصيرِه التلميذُ الذي سلّمه إلى السُّلطة الوحشِيَّة، لم يقبَل يسوع ذلك كُرهاً، بل حوّل تلك الحالة إلى نعمة، حوّل خيانة تلميذه إلى هبة.

إذن أنْ يكون لنا رجاء ليس معناه أن نراهن على أن يكون الخير أقوى من الشرّ وحَسْب، فثقتنا على غرار القدّيسين ليست بأنّه سيكون لله كلمته الأخيرة وحَسْب، بل أنّه سيعالج عمل الظلام الهائل ليجعله شيئاً مثمراً، تماماً كما فعل حين صُلِبَ ابنُهُ الوحيد. " النور هو في قلب الظلام، وسيبزغ الفجر عند دخولنا في سواد الليل" (روان ويليامز).

يكون الاحتفال بسرّ رجائنا حين تغيب في حياتنا أيّ علامة للرجاء، أي حين يبدو أنَّ كلُّ شيءٍ كنّا نقوم به قد فشل، وأنَّ كُلَّ مساعينا ونوايانا الحسنة باتت إلى نهاية لا نرجوها، حينها يكون الهروب أحد الطرق التي قد نسلكها، وإن هربنا، ستكون تلك اللحظة عقيمة، كما لو كان ينبغي ليسوع أن يهرب من الباب الخلفيّ فضلاً من مواجهة ليلة الخيانة الظلاميّة.

نحن كمسيحيّين لدينا رجاء الأبديّة، والأبديّة ليست ما سيحدث في نهاية الأزمنة، عندما نموت، بل هي تبدأ الآن، حين نشاركُ حياةَ الله، فهي تبدأ حينما نهزم البُغض بالحبّ.

بالحبِّ نَتَحرّر ونُحَرِّر، فيسوع أسَّس في العشاء الأخير حرّيّة جذريّة: " ما من حبّ أعظم مِن حبّ مَن يبذل نفسه في سبيل أحبّائه" (يو 15 :13). وبهذا أصبح الحبّ الوصيّة الجديدة. يسوع يعرض لنا تحريراً مِن كلّ ما يقمع الإنسانيّة سواء أكانَ ذلك فكرياًّ أو سياسياًّ، فردياًّ أو اجتماعِياًّ. من خلال الحبّ نستطيع نحن الذين أحبَّنا الله أولاً، أن نسلّم أنفسنا إلى الله لنتَّحد به ونحبَّ الآخَر من أجل حُبِّ الله حُباًّ بلا شروط، كما نحبُّ أنفسنا. يسوع كان ضحيّة بريئة، ضحيّة البغض والخوف.

صارت حياته خارجة عن السيطرة. تعرّض للخيانة وما لبث أن سُلِّم إلى الأحبار، فها إنّه يَتَضامَن معَنا عندما لا نكون أحراراً أو نكون ضحايا فعل معيَّن. لكنّ يسوع وهو معلَّق على الصليب أمست خياراته معدومة، وبالرغم من ذلك قام بفعلٍ حبٍّ حُرٍّ وتامٍّ وهو المغفرة: "  فقال يسوع: «يا أبتاه اغفر لهم لأنّهم لا يعلمون ماذا يفعلون»" ( يو 23 :34).

فالحبّ يبدأ حين ندرك تماماً الخيارات التي باستطاعتنا تحقيقها، حتّى لو كانت محدودة جدّاً، وحتّى لو كانت مجرّد النهوض من السرير عند الصباح. إنّ حُبَّ يسوع الأعمق لنا يتجسّد في الإفخارستيّا حيث يهب جسده لنا. وبهذه العطيّة "إنّ المسيح قد حرّرنا تحريراً" (غل 5 :1). فكيف يكون لنا الجرأة في إنهاء حياتنا؟ هل ينبغي أن تُهدَرَ من أجل سبب سخيف، أو تُداسَ بالقدم وكأنّها بِدون قيمة؟ إنّ الحُبَّ قائمٌ على الشراكة بين الله والبشريّة، وهو أساس وجودنا، فيصبح الحُبُّ محرِّكاً أساسِياًّ في حياتنا من أجلِ إشراكِ البشريَّةِ جمعاءَ في الملكوت.

إذاً فالحبّ هو تجديدٌ واعٍ وكاملٌ لعهد علاقةٍ لا تَنتهي، علاقة الله بالإنسان. مِن الحبّ تجسّد الله، وتألّم ومات، وقام. والقيامة هي انتصارُ حبّ الله على الخطيئة، فإنّ الحبَّ أقوى من الخيانة. لذلك فالقيامة هي اختبارٌ في الحاضر، تصالِحُنا مع الماضي وتفتح لنا مستقبلاً، في وقت لا نَجرؤُ فيه على النظر إلى الماضي أو رؤية أيّ شيءٍ في أفُقِ حياتنا.

فالشهداء حين كانوا يُقتَلون كانوا يَغفِرونَ لقاتِليهم، وذلك قمَّةُ الحُبِّ الذي هو شوقٌ ومغفرةٌ، لا يَعرف المقارنةَ والحساب، يُطهِّر القلب ويَشفيه من اليأس والإنغلاق والحزن. كانَ الشهداءُ محطَّ تَعَجُّبٍ كبير. وأنا اليوم هل حياتي اليوميّة بتفاصيلها الصغيرة شهادة حيّة للمحبّة أي لله (1يو 4: 7)؟

ونحن بعد أن عرَفْنا المحبّة التي يُظهِرُها الله بيننا هل نؤمن بها؟

يُظهِرُ الحبُّ الهدفَ النهائيَّ في حياتنا، ألا وهو المشاركة في حبّ الله الذي لا وصف له. إنّه الطريق الذي يوصِلُنا إلى وجهة معيّنة وتلك الوجهة هي السعادة. ولكن هل أؤمن وأعترف وأوافق على أنّ الله هو مصدر هذه السعادة؟ ولكي أعيش هذا الإيمان عليّ أن أرتبط شخصياً بالله. سعادتي هي عبارة عن عطيّة أستلمها.

تلك العطيّة هي حياة الله. لقد خلقنا لأجل شيءٍ يفوق كلَّ ما هو طبيعيّ في نظرنا. خلقنا نحن البشر لكي نحصلَ على السعادة التي تفوق الطبيعة. إنّ القدّيس توما الأكوينيّ كان محقاًّ في قوله إنّه "لا يمكننا أن نرغب في التعاسة"، كما أنَّ لاهوتياًّ فرنسياًّ من القرن التاسع عشر يُدعى باشاسيوس رادبيرت يؤكِّد أن " ليس للتعاسة قدمان يسير بهما على طريق المسيح"، ولكن يمكن أن نهرب من السعادة التي نحن مَدعوّون إليها، والتي لا تُقَدَّر بثمن، لأنّها ستكلِّفُنا موتنا وقيامتنا... إنّ ذلك مخيفٌ حقاًّ.

إن المسيحيّة هي الخبرُ السارُّ. هل أحمل البشارة وأجسِّدُها في حياتي اليوميّة؟ خلقَنا الله من أجل السعادة والفرح، وفي النهاية من أجل السعادة حيث الله هو الله. ولكن لا يمكننا أن نكون شهوداً مقتنعين بهذه السعادة إذا كنّا أشخاصاً تعساء ومحبَطين، لذلك فالشهداء كانوا يرنّمون ويرتّلون فرِحِين وهم ذاهبون إلى الموت.

أخيراً نحن مدعوّون إلى رواية تُخبِرُ عَن رحلتنا إلى الله الذي منه أتَينا. إنّ الحياة الفاضلة هي إحدى الطرُق التي تساعدنا على مُواصلة المضيّ في الاتّجاه الصحيح. فكلمة فضيلة "virtus" باللاتينيَّة تعني "قوّة"  (strengh)أو "سنَد" للرحلة. والفضائل الإلهيّة، الرجاء والمحبّة والإيمان، تعطينا تذوُّقاً أوّلِياًّ لوُصولِنا إلى ما نتوق إليه. وهذا التذوُّق هي الشهادة التي أعطاها القدّيسون والشهداء، ونحن مدعوّون إلى أن نعيشها فنصبح علامةً فارقة ...

 موقع Aleteia