الرسالة العامة الثالثة للبطريرك الراعي ، بكركي - آذار 2014 «أضواء
بـنـعـمـة الله
بطريـرك أنطـاكية وســائـر المشـرق
وكردينال الكنيسة الجامعة
إلى إخواننا السَّادة المطارنة الأجلّاء،
وأبناءِ كنيستنا المارونيّة وبناتها، الكهنة والشَّمامسة والرهبان والراهبات
وسائر المؤمنين والمؤمنات، وذوي الإرادات الطّيبة، الأعزّاء،
السلام والبركة الرسوليّة.
مقدّمة
1. ليتورجيّتنا المارونيّة هي ليتورجيّة الكنز الحيّ، القائمة على سرّ المسيح ابن الله الحيّ، الذي «لأجلنا ولأجل خلاصنا» صار إنسانًا ليحييّنا ويخلّصنا ويقودنا إلى أبيه في الروح القدس. من هذا الكنز تغرف كنيستُنا المارونيّة روحانيّتَها وهويّتَها وموهبتها، وتحدِّد رسالتها في لبنان والنطاق البطريركي وبلدان الانتشار، وفي قلب الكنيسة الواحدة الجامعة المقدّسة الرسوليّة. إنّه يُغني أبناء كنيستنا وبناتها، رعاةً ومؤمنين، إكليروسًا وعلمانيّين، بالإيمان والقيَم وشهادة الحياة؛ وهم بفضل أمانتهم لهذا «الكنز الحيّ» يُغنون المجتمعات التي يعيشون فيها.
ليتورجيّة الكنز الحيّ، تقوم على ثلاثة أبعاد هي في أساس الهوية المسيحية وتكوين شعب الله ورسالته: العبادة الحقّة في الروح لله الآب (يو4: 23) بسرّ المسيح الفصحيّ، سرِّ «موته لفدائنا، وقيامتِه لتقديسنا» في البعد الكهنوتي؛ وكلمة الحياة في الكتب المقدّسة، وفي تقليد الكنيسة الحيّ وتعليمها في البعد النبويّ؛ وشريعة المحبّة والأخلاقيّة المسيحيّة في البعد الملوكي[1].
هذا الكنز الحيّ هو مدرسة الإيمان والتعليم والصلاة، يجعل حاضرًا في احتفالاتنا الطقسيّة كلُّ تدبير الله الخلاصي ومفاعليه، ويقودنا إلى اللقاء الشخصي به، وقبول عمل النعمة الشّافية فينا، فيُشركُنا في سرّ الحبّ والخلاص، ويفيضُ في قلوبنا ثماره بالروح القدس.
إنّه الينبوعُ والغاية. هو الينبوع الذي يروينا بالكلمة والنعمة والحضور الإلهي، والذي منه ننطلق إلى المجتمع الإنساني، حاملين المحبّة والرحمة للفقير والمريض والمحتاج، والعدالة للمظلوم والمُهمَل، والحرية للمأسور والمستعبَد، والعزاء للحزين، والشجاعة للضعيف، والرجاء لليائس. وهو الغايةُ التي نسعى إليها بجوع وعطش في بُعدها التاريخي، حاملين اختبارات الأفراح والآلام، كقرابين منّا ومن شعبنا، إلى مكان اللّقاء بالله؛ وفي بُعدها النُهْيَوي عندما نعود إلى بيت الآب.
2. في ختام هذه السنة الثالثة من خدمتي البطريركيّة، ومن أجل المحافظة على شعبنا وعلى هويّته ورسالته، اللَّتَين تغتذيان من ليتورجيّتنا، ليتورجيّة الكنز الحيّ، اخترنا هذا الوضوع لرسالتنا العامّة الثّالثة: اللّيتورجيّا المارونيّة، ليتورجيّة الكنز الحيّ، ونحن نعيش تحدّيات كبيرة في لبنان والشَّرق الأوسط وبلدان الانتشار، ولا مجال لمواجهتها وإيجاد حلول لها من دون العودة إلى «ليتورجيّة الكنز الحيّ»، وواجب معرفتها وفهمها والتنشئة عليها، الآنيّة والمستمرّة.
نتناول في الفصل الأوّل اللّيتورجيّا بكلّ أبعادها، مصدر هويّتنا ورسالتنا المارونيّة. ويبيّن الفصل الثاني كيف أنَّ اللّيتورجيا هي مكانُ العبادة بالروح والحقّ؛ ويوجِّه الفصل الثالث إلى المشاركة الواعية والفاعلة نفسًا وجسدًا في الأفعال اللّيتورجيّة عامّة؛ ويأتي الفصل الرابع ليشرح الرموز في القدّاس الإلهي من أجل إحياء هذه المشاركة؛ ونبلغ في الفصل الخامس إلى الربط بين ليتورجيّا الأرض وليتورجيّا السماء؛ ونُنهي في الفصل السادس مع قدّاس المسيح الربّ المتواصل في قدّاسنا.
الفصل الأوّل
اللّيتورجيّا المارونيّة مصدر هوّيتنا ورسالتنا
3. في أوّل إطلالة عامّة ليسوع، بعد معموديته في نهر الأردنّ، وصيامه أربعين يومًا في البرّية، دخل ذات سبتٍ إلى مجمع الناصرة، وكشف عن هوّيته ورسالته في نبوءة أشعيا التي تمّت فيه: «روح الربّ عليَّ مسحني (الهوية)، وأرسلني لأبشّر الفقراء، وأنادي للمأسورين بالتخلية، وللعميان بالبصر، وأطلق المظلومين أحرارًا» (الرسالة) (راجع لو 4: 16-18). بهاتين الهوّية والرسالة أشركنا الربّ عبر سرَّي المعمودية والميرون.
المعرفة الأساسيّة في الحياة هي معرفة الإنسان أو الجماعة هوّيته ورسالته، عملًا بقاعدة الفلسفة اليونانية على لسان سقراط: «إعرف نفسك». في قيصرية فيلبّس، سأل يسوع تلاميذه: «مَن يقول الناس إنّي أنا ابن البشر؟.. وأنتم، مَن تقولون إنّي هو؟» (متى 16: 13 و 15).
4. اللّيتورجيّا هي خدمة طقسيّة منظّمة يؤدّي من خلالها المسيحيّون فعل عبادة لله، الذي يواصل في كنيسته ومعها وبواسطتها، عمل فدائنا وقد أتمّه المسيح الفادي. إنَّ الشعبَ المسيحيّ، بقيادة الأسقف أو الكاهن، يقوم بهذه الخدمة الإلهيّة لخيره الرّوحيّ، في مقوّماتها الثّلاثة: الاحتفال بفعل العبادة لله، وإعلان إنجيل الخلاص، وتجسيد المحبّة بمساعدة المحتاجين[2].
* الليتورجيّا مصدر هوّيتنا
هذه اللّيتورجيّا إيّاها تجسّدت في حياة الكنيسة المارونيّة، وكوّنت هوّيتها ورسالتها، من تقليدها الإنطاكيّ السريانيّ، المميَّز بليتورجيّته ولاهوته وروحانيّته وتنظيمه[3]. فالليتورجيَّا المارونية أنطاكيّة وأورشليمية المنشأ والانتماء، وسريانيّة الروحانيّة. وقد تطوّرت وتفاعلت في بيئة جبل لبنان، محتفظة بقواسم مشتركة مع الطَّقس الكلداني وطقوس العائلات الليتورجيّة السريانيّة في خطّ مدرسة الرها العريقة، ومع الطقس الرّوماني في بعض جوانبها. كلّ هذه الخصائص تولي كنيستَنا المارونيّة رسالةً مسكونيّة مع الكنائس الشقيقة في القطاعات الراعويّة والروحيّة والثقافيّة[4].
5. تتميّز اللّيتورجيّا المارونيّة بأبعاد بلورت هوّيتها ورسمت مساحات رسالتها، هي:
أ. البُعد اللّاهوتي
من الثالوث الأقدس تنبع اللّيتورجيّا وإلى الثالوث تتّجه. بالرّتب الليتورجيّة والصلوات، وذروتها ذبيحة الافخارستيّا المعروفة بصلاة البركة، يُرفع المجد والشّكر والتّسبيح لله الآب الخالق محبّ البشر، وللابن مخلّص العالم بموته وقيامته، وللروح القدس المتمِّم «هنا والآن» عمل الفداء، والذي يحقِّق فينا وفي العالم ثمار الخلاص، ويوجِّه الكنيسة ويقودها ويحلّ فيها كما في عنصرةٍ دائمة[5].
ب. البُعد الكريستولوجي
تظهر معانيه اللّاهوتيّة والكتابيّة عبر حدثَين أساسيَّين في رسالة يسوع المسيح العلنيّة: حدث عماده على يد يوحنا في نهر الأردنّ الذي شكّل بدء رسالته التبشيريّة، وحدث موته على الصليب وقيامته المجيدة من بين الأموات[6].
ج. البُعد المريميّ
يبرز في حضور مريم العذراء ضمن أطُر لاهوتيّة وشعبية في آن، وفي نصوص تصف العذراء مريم بـ«أمّ الله» خادمة التدّبير الإلهيّ لخلاص الإنسان.
د. البُعد الرهبانيّ والنُسكيّ
يتجلّى في صلوات ساعات المساء واللّيل والصباح ونصف النهار. فيها تُذكَر الكنائس والرعايا والأديار بمسحة من التوبة الدّائمة والزّهد في العيش والبساطة الإنجيليّة والنسك والتقشّف والصوم.
ه. البُعد الإنسانيّ
يعكس روحانيّة خاصّة بالإنسان وباختباراته المتنوّعة التي يجسّدها في صلاة تصاعديّة نحو الآب، تنطلق من القلب والعقل وتشرك الجسد. كما تحمل النصوص الليتورجيّة الإختبارات المتعدِّدة التي مرّ بها شعبنا من آلام واضطهادات وحروب وتهجير، إلى جانب أفراح الشّركة والتضامن والوحدة والمغفرة والمسامحة، بالإضافة إلى أمجاد الانتصار بقيامة الربّ وتحرير الشعب وظفر القدِّيسين من أبناء كنيستنا.
و. البُعد النُّهيويّ الاسكاتولوجيّ
يشكّل ميزة اللّيتورجيّا المارونيّة المبنيّة على قيامة الربّ يسوع والحياة الجديدة ولاهوت الرّجاء؛ وفيه تعكس ليتورجيّا الأرض حقيقة ليتورجيّا السماء وتجسّدها.
ز. البُعد الكتابيّ
النصوص من العهدَين القديم والجديد حاضرة في صلواتنا، بشكل محوريّ، بحيث يصعب الفصل بين النّص الليتورجيّ والنصّ الكتابيّ، ما يعني أن لا ليتورجيّا من دون الكتب المقدّسة[7].
6. كلّ هذا الغنى في ليتورجيّتنا المارونيّة، كشفه الإصلاح اللّيتورجيّ الذي بدأه المثلّث الرحمة البطريرك الياس بطرس الحويك (1899-1931) وأنجزه خلفه المثلّث الرحمة البطريرك أنطون بطرس عريضة (1932-1955).
وزاد تألّقًا وزهوًا بعد انعقاد المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني (1962-1965)، وفقًا للدّستور في اللّيتورجيّا المقدّسة الذي وضع القواعد للإصلاح اللّيتورجيّ، وفي طليعتها أنّ كلّ تجديد سليم ينطلق من ثوابت تقليديّة على المستويات اللّاهوتيّة والكنسيّة واللّيتورجيّة، وينفَتِح على كلّ تقدُّم وتطوّر عُضويّ، شرط أن ينطلق هذا التطوّر من أصلٍ ثابتٍ ذي طبيعة محدَّدة، وينسجم مع الحالة المُعاصرة التي تعيشها الجماعة المؤمنة «هنا والآن».
شكّلت هذه المنهجيّة ركيزةً أساسيّة في الورشة الإصلاحيّة عبر لجنتنا البطريركيّة الطقسيّة التي تعمل على هذه الأُسس، وتهدف الى أن تساعد اللّيتورجيّا الجماعة المؤمنة على المشاركة في الإحتفال الطقسيّ بطريقة واعية، مُثمرة وفعّالة؛ ما يقتضي أن تسهم النّصوص في بناء روحانيّة الفرد والجماعة.
من أجل هذا الهدف، يُصدر معهد اللّيتورجيّا في جامعة الروح القدس – الكسليك، ومركز الدراسات والأبحاث المشرقيّة في الجامعة الأنطونية وغيرهما من مؤسّسات كنسيّة، دراسات علميّة وراعويّة تثقّف وتغذّي بالروحانيّة أبناء كنيستنا وبناتها ضمن النطاق البطريركيّ وفي بلدان الانتشار، وتشدّ أواصر وحدتهم وتضامنهم، وتساعدهم على وعي هوّيتهم ورسالتهم في الكنيسة والمجتمع.
* الليتورجيّا مصدر رسالتنا
7. الحياة الليتورجيّة التي تكوّن جماعة مصلّية بامتياز، تكشف مساحة رسالتنا على المستوى الاجتماعيّ والوطنيّ. فالعلمانيّون المؤمنون بالمسيح المتأصّلون في هذه الجماعة يضفون معنى على انخراطهم في الشّأن العام، حيث يشهدون للإنجيل ويطبعون نشاطاتهم بالفضائل الإلهيّة: الإيمان والرجاء والمحبة، وبالقيم المسيحيّة مثل العدالة والإنصاف والقناعة والتجرّد؛ ويتفانون في خدمة الإنسان والخير العام.
ينبغي أن يواظب المسيحيّون الملتزمون الشؤون الاجتماعيّة والسياسيّة والوطنيّة، على الحياة اللّيتورجيّة، وبخاصّة على القدّاس الإلهي والصّلاة. إنّ القاعدة التي وضعها الربّ يسوع «أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله» (مر12: 17)، تقتضي منهم أن يتناغموا في حياتهم الخاصّة والعامّة، بين الحقلَين الرّوحيّ والزّمنيّ، ما يجعل هذا التناغم مصدر قوّة روحيّة للأشخاص وللجماعات.
فبقدر ما يشارك المؤمن المسؤول في الحياة اللّيتورجيّة، من قداديس وصلوات، بروح إيمان خاشع عميق، وبالتزام كنسيّ ووجدان تاريخيّ، بقدر ذلك نشهد وحدة وقوة وثباتًا في العائلة الكنسيّة. فالليتورجيّا هي الضّامنة للوحدة على المستوى اللّاهوتيّ والكنسيّ والاجتماعيّ؛ والمشاركة الواعية فيها تخلق لدى المؤمنين انفتاحًا حقيقيًّا نحو جميع الناس وتُبعد كلّ أنواع الانغلاق والتقوقع.
وبقدر ما يتّحد المؤمن بالله في الصلاة والقربان وسماع الإنجيل والتأمّل، بقدر ذلك ينفتح بمحبّة على جميع الناس، إذ يشاطرهم حاجاتهم وآلامهم ومآسيهم عبر الرّوح الإنسانيّة التي توحّدهم، والتي تتّجه بأسرها نحو الله الواحد خالق الجميع، الذي برحمته يحنو على كلّ إنسان، ويدعوه إلى الحبّ والحياة الوافرة. بذلك تصبح الحياة اللّيتورجية الجماعيّة نشيد المحبة والوحدة والسلام.
8. في هذا الإطار، تساهم الحياة الليتورجيّة في بناء وحدة الجماعة المؤمنة، المتكاملة والمتناغمة، الملتزمة بمشروع الإنجيل في الحياة العائليّة والكنسيّة والوطنيّة بديناميّة المحبّة والوحدة والتّضامن، وتعكس صورة الكنيسة وحقيقة شعب الله، حيث الإكليروس والعلمانيّون يساهمون، كلٌّ من موقعه وبموهبته، في الشهادة للمسيح ولإنجيله، أمانةً لثوابتنا الكنسيّة والتاريخيّة.
من أجل ضمانة الوحدة في كنيستنا، ندعو الجميع للمحافظة على الانسجام في العمل الطقسيّ، في كلّ الأبرشيات والرعايا والأديار، بروحٍ كنسيّ عالٍ، ووفقًا للتوجيهات التي تصدر عن لجنتنا البطريركيّة الطقسيّة، ويقرّها سينودس كنيستنا المقدّس. فالليتورجيّا هي ملك الكنيسة لا الأفراد.
الفصل الثاني
اللّيتورجيّا مكان العبادة بالروح والحقّ
9.عندما سألت المرأة السامريّة يسوع عن مكان العبادة لله، هل هو على جبل كارزين كما يقول السامريّون، أم في أورشليم بحسب زعم اليهود، أجاب: «تأتي ساعة، وهي الآن، فيها تسجدون للآب لا في هذا الجبل ولا في أورشليم، بل بالرّوح والحقّ»(يو4: 21 و23).
الحقُّ أي الحقيقة هو يسوع نفسه، كلمة الله الذي تجسّد، ومات بالجسد على الصليب فداء عن الجنس البشري، وقام من الموت ممجَّدًا. بقيامته تكوّن هيكل جديد، هو جسده الحيّ الممجَّد أمام عرش الآب، الذي أصبح «مكان» العبادة الحقيقيّة التي يريدها الله (راجع يو4: 23). في هيكل جسده، الذي لم تبنه أيادي بشر، وهو مفتوح بوجه جميع الناس، يتحقّق مكان العبادة الحقيقيّة لله
والروحُ هو الروح القدس الذي يبني هذا الهيكل الجديد، جسد المسيح القائم من الموت الذي يجتذبنا إليه، في سرّ الإفخارستيّا، ويبدّلنا ويوحّدنا، ويجعلنا جسده الروحي، أي الكنيسة[8].
10. إلى هذا الهيكل الروحيّ أشار يسوع عندما قال: «إهدموا هذا الهيكل، وأنا أقيمه في ثلاثة أيّام»(يو 2: 19)، وكان يعني جسدَه الذي سيُهدَم على الصّليب، ثمّ يقوم هيكل جديد هو جسده السّري أي الكنيسة التي أصبحت «سرَّ الخلاص الشامل وأداتَه»[9]. عندما تآمر قيافا رئيس الكهنة ومَن معه على المسيح وصلبوه، أبطلوا بفعلتهم كهنوتهم وأفسدوا ذبائحهم. هذا ما تعنيه آية انشقاق حجاب هيكل سليمان من فوق إلى أسفل (متى 27: 51؛ مر15: 38؛ لو23: 45)، ثمّ هُدم الهيكل بكلّيته على يد الرومان سنة 70.
مع انشقاق حجاب الهيكل «انشقّ» قلب يسوع المصلوب بطعنة الحربة، وتفجّرت منه ينابيعُ الحياة الجديدة، المُشار إليها بالدّم والماء (يو 19: 34)، رمزَي المعموديّة لولادة الإنسان الجديد، والقربان لغذائه الروحي، وبهما فتح الطريق إلى قلب الآب، ورفع «سيف الكروب عن شجرة الحياة»، وأعاد الانسان إلى السماء، بعد أن طُرد منها بخطيئة آدم وذرّيته، وجعل منّا مملكة كهنة لله أبيه. وها هو يأتي،«وستراه كلُّ عين وأيضًا الذين طعنوه. إنّه الألف والياء، الكائن والذي كان والآتي، الضابط الكلّ»(رؤ 1: 5-8)[10].
هذا هو معنى الليتورجيّا، عبادة الله بالروح والحقّ، ويسمِّيها بولس الرسول «العبادة الروحيّة» إذ يدعونا بقوله:«أناشدُكم، بمراحم الله، أن تقرّبوا أجسادَكم ذبيحةً حيّةً مقدّسة مرضيّة لله: تلك هي عبادتكم الروحيّة»(روم12: 1). إنّها عبادة على مثال يسوع الذي فتح ذراعَيه على الصليب ليجتذب إليه جميع الناس ويضمَّهم إلى محبّته الأبديّة. إنّ حركة هذه المحبّة الآتية من المصلوب آخذة في النمو عبر ليتورجيّة الكنيسة من أجل بلوغ غايتها، وهي تبديل وجه العالم. إنّها ليتورجيّة حضارة المحبة[11].
11.في ضوء هذا المفهوم «لليتورجيّا مكان العبادة بالرّوح والحقّ»، ينكشف أمامنا معنى دُور العبادة في الرعايا والأديار والمؤسّسات، ومضامينها الداخليّة.
* مكانُ العبادة
مكانُ العبادة معروفٌ بالكنيسة التي تعني، من جهة «بيت جماعة الله»، حيث تجتمع لتسمع كلام الله وتقدّم ذبيحة العبادة؛ وتعني، من النّاحية الروحيّة، الجماعة الحيّة، أي جسد المسيح السّري الذي يحقّقه الروحُ القدس بحلوله على المؤمنين والمؤمنات، ويجعلُ منهم حجارةً حيّة لهيكل الله الروحي (راجع 1 بط2: 5).
في تقليدنا، الكنيسة هي قلب الرعية، والمذبح هو قلب الكنيسة؛ وكونُ الكنيسة هي التعبير الصادق عن تجلّي الله وحضوره في وسطها، يقضي لاهوت كنيستنا الانطاكيّ السريانيّ وتقاليدها، أن يكون مذبحُها صوب الشّرق[12]، وأن يعلوه طاقة تُدعى «طاقة أبي الأنوار» يدخل منها نور الشمس عند إطلالتها إلى قلب الكنيسة، تذكار إرسال الآب ابنه إلى قلب العالم ليخلّص السائرين في الظلمة ويعطيهم نور الحياة. واللّيتورجيا الموجَّهة إلى الشّرق تحقّق الانضمام إلى مسيرة التاريخ نحو مستقبله، وهي مسيرة رجاء وصلاة ذاتُ بُعد كونيّ[13].
* المذبح
12.المذبح، لفظة عربيّة مشتقّة من السريانيّة «مَدْبحُا» يعبّر عن العبادة المرتبطة بالذبيحة الجديدة على رأس الجلجلة، وبوليمة جسد الربّ ودمه لحياة العالم. على هذا المذبح تُقدّم كنيسة الأرض للآب قربان الابن، استجابةً لوصيّته: «إصنعوا هذا لذكري حتى مجيئي» (لو22: 19).
يرمز المذبح إلى قبر يسوع، وإلى مجد قيامته، ومنه تجري كلّ نعمةٍ أسراريّة لخلاص العالم؛ وفيه أيقونة المذبح السماويّ حيث تخدم الملائكة ليتورجيّا عرس الحمل. في الكنيسة مذبحٌ واحد لأنّ المسيح واحد والذبيحة واحدة والكهنوت واحد. إنّه يرتبط بشخص المسيح ينبوع الغفران، فيُسمّى «المذبح الغافر»الذي ننال منه سلامنا ونتقاسمه فيما بيننا.
في كلّ مرّة تلتقي الجماعة المؤمنة حول مذبح الربّ للاحتفال بسرّ الافخارستيا، ينبغي أن يخشعَ المؤمنون والمؤمنات برهبة لأنّهم، من خلال ليتورجيّا الأرض، ينضمّون إلى ليتورجيّا السماء، ويتجاوزون حدود التاريخ، ويدخلون حالة الشّركة مع الحبّ الإلهيّ، وبالتّالي يخرجون من محدوديةهذا العالم ويعبرون مع المسيح القائم من الموت إلى عالم الله[14].
* البيما
13.تُقام على الخورس أمام المذبح، تجاه الشعب قرّايتان لصلوات وقراءات القسم الأوّل من القدّاس، المعروف بليتورجيّا الكلمة، وثالثة في الوسط تُعرف «بالبيما»، مخصّصة لتلاوة الانجيل والعظة. لكنَّ مرور الأيام دمج بينها وبين قرّاية اليمين. من مائدة الكلمة هذه يغتذي المؤمنون والمؤمنات بالمشاركة في الصلوات، وبسماع كلام الله من الرسائل والإنجيل، والتأمّل فيه.
للبيما مفهومان مترابطان: الأوّل، لاهوتيّ يشير إلى الكلمة المتجسِّد الذي يتمّم تدبير الخلاص، ويعيش بين الناس ويعلّمهم حقيقة ملكوت السماء البادئ على الأرض بشخصه وكلامه وآياته. والثاني إكليزيولوجيّ (كنسي) يعني الكنيسة التي تواصل خدمة الكرازة والتعليم في اجتماعها القربانيّ، ثمّ تنطلق لتشهد للكلمة وتجسّدها ثقافةً وحضارةَ حياة في العالم
يوجد رابطٌ وثيق ومتكامل بين البيما والمذبح يلخّص كلّ تدبير ابن الله الخلاصي: فالبيما ترمز إلى التجسّد، والمذبح إلى الموت والقيامة.
14.ليست البيما إذن مجرّدَ مكان للقراءة والإعلان، بل هي عرشُ المعلّم الإلهيّ، يسوع المسيح، الذي تكتمل فيه كلُّ الكتب المقدّسة، بعهدَيها القديم والجديد. هكذا عرّف عنه فيليبّس عندما لقي نتنائيل: «إنّ الذي كتب عنه موسى في التوراة، وتكلّم عليه الأنبياء، قد وجدناه، وهو يسوع بن يوسف من الناصرة»(يو1: 45). بهذا المعنى علّم يسوع على الجبل: «لا تظنّوا أنّي جئت لأُبطلَ التوراة أو الأنبياء، ما جئت لأُبطِل بل لأُكمِّل (متى 5: 46).
المسيح الربّ يقيم في وسط الجماعة، وهو محورُها. هي تلتئم حوله، تصغي إليه لأنّه هو الذي يكلّمها عندما تقرأ الكتب المقدّسة، والعلامة هي إضاءةُ شمعة عند قراءة رسالة بولس الرسول أو سواها من الرسائل أو من أعمال الرسل، على قرّاية الشمال؛ وإضاءة شمعتَين على البيما عند قراءة الإنجيل، فتقف الجماعة، لأنّ الربّ يكلّمها مباشرة. واستعدادًا لسماع كلام الربّ، يُزيَّح الإنجيل ويُبخَّر قبل قراءته. ثم يُتلى، فيما العيون والقلوب شاخصة إليه، كما تدعونا الرسالة إلى العبرانيّين: «فلننظرْ إلى مصدر إيماننا ومكمِّله، الذي احتمل الصليب بدل السرور المعدّ له، واستخفّ بالعار، وجلس عن يمين عرش الله»(عبرا 12: 2).
ارتباطًا بالبيما يوجد عرشُ الأسقف، رأس الكنيسة المحلية، الذي يمثّل المعلّم والراعي الإلهي يسوع المسيح. فينبغي، عبر كلّ ذلك، أن ترفع الجماعة المصلّية نظرها دائمًا نحو يسوع[15].
15. تأتي العظة لكي تساعدَ على اللّقاء الإيماني مع المسيح الكلمة، على ما يقول بولس الرسول: «الإيمانُ من السّماع، والسّماعُ هو من التبشير بكلمة المسيح»(روم 10: 17). في إرشاده الرسولي «فرح الإنجيل»، شدّد قداسة البابا فرنسيس على أهمّية العظة، لأنّ الله يريد أن يصل إلى الآخرين من خلال الواعظ، وأن يمارس قدرته بواسطة الكلمة البشريّة لكي يجدّد إيمان السامعين وينمّيه.
فالعظة تُحيي الحوار الذي بدأه الله مع المؤمنين بالكلام الإلهيّ الذي سمعوه، والذي يعطي الليتورجيّا معناها وحرارة المشاركة فيها. ويدعو قداسة البابا لتحضير العظة بالتأمّل والصلاة والانفتاح لإلهامات الروح القدس من قِبل الكاهن الذي عليه أن يتجدّد هو أوّلًا بالكلمة، لكي يستطيع أن يبلّغها إلى المؤمنين كأنّها شهادة حياة. وعندما يحضّر العظة، عليه أن يستلهم أنوار الروح القدس الفاعلة والخلّاقة، فيجعل من ذاته ومن كلّ إمكانيّاته أداة لعمل الروح[16].
الفصل الثالث
المشاركة الواعية والفاعلة في الليتورجيّا
16.عندما أتى رجال أربعة بالرجل المخلّع في كفرناحوم، شفاه يسوع نفسًا وجسدًا؛ شفى نفسه من خطاياها:«مغفورة لك خطاياك»؛ وشفى جسده من الشلل: «قم، إحمل سريرك، واذهب إلى بيتك»(راجع مر2: 1-12). أراد بذلك أن يبيّن أنّ الانسان وحدة لا تتجزّأ بنفسه وجسده. فهو مدعو إلى أن يمجّد الله بكلّ كيانه، على ما يقول بولس الرسول: «الجسد هو للرب والرب للجسد. والله الذي أقام يسوع سيقيمنا نحن أيضًا بقدرته... إنّ أجسادكم هيكل الروح القدس... فمجّدوا الله إذًا بأجسادكم»(1 كور6: 13-14 و 19-20).
المشاركة الواعية والفاعلة في الليتورجيّا تشمل كياننا البشري: النفس والجسد.
17.في الاحتفال اللّيتورجيّ، نحن في حضرةِ الله. كلّما أقمنارتبة طقسية (Ritus)، كرتبة القدّاس مثلًا أو رتبة أي سرّ آخر حسب الطّقس الماروني، نكون في حضرته. تعني الرتبةُ الصيغة العمليّة التي تنظّم العبادة الحقيقيّة وتمجّد الله، وتضعنا على الطريق الصحيح الذي يؤدّي إلى اللّقاء بالله. ولهذا تنظّمها السلطة الكنسيّة لاهوتيًّا وروحيًّا وعمليًّا، وتقرّها وتأمر بالتقيّد بها. لا يقتصر هذا التنظيم على النصوص بل يشمل أيضًا حركات الجسد، لأنّنا نصلّي بكلّ كياننا نفسًا وجسدًا. لذا لا بدَّ من شرح معانيها ورموزها.
* إشارة الصليب
18. إشارة الصليب هي أوّل حركة يصلّي بها جسدنا. نرسمها بشكل صليب من جبيننا إلى البطن فإلى الكتفَين. يشرح معانيها المكرَّم البطريرك اسطفان الدويهي: الحركة من الرأس إلى الصدر تشيرُ إلى نزول ابن الله من السماء لخلاصنا. ونقلها من كتف الشّمال إلى اليمين يشير إلى قيامته من الموت إلى الحياة، وإلى نقلنا، بصليبه، من شقاء هذا العالم إلى المجد الدائم[17]. ونحن نقولُ في بداية صلاتنا وأعمالنا:«باسم الآب والابن والروح القدس»، وفي الختام: «المجدُ للآب والابن والروح القدس». نبدأ باسم الله الواحد والثالوث ملتمسين عونه وقدرته وإلهامه، ونختم ممجِّدين ومسبِّحين وشاكرين الله على ما قمنا به من عمل مميَّز بالحقّ والخير والجمال.
وتُختَم كلُّ صلاة بالمجد والتّسبيح والشكر لله الواحد والثّالوث، عندما يكون الأسقف أو البطريرك محتفلًا تُحفظ له، بالصيغة السريانية المعروفة بلفظة «بارك يا أبانا، يا رئيس كهنتنا، أو يا رئيس الرؤساء» ليُنهي الصلاة بكامل الدوكسولوجيّا: رفع المجد والحمد والتسبيح والشكر للآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد. ويجيب الشعب: آمين.
19. إشارة الصليب بشكلها الخارجي هي إعلان إيماننا واتّحادنا بالمسيح المصلوب، الذي هو «قوّةُ الله وحكمةُ الله» بوجه كلّ ضعف وجهالة (راجع 1كور1: 23). فنقول «نعم» بشكل منظور وعمومي للمسيح الذي تألّم من أجلنا بجسده وأظهر لنا محبّة الله حتّى النهاية، فنعلن قبولنا معه صليب الألم والفداء في حياتنا الخاصّة، ونعلن مشاركتنا في محبة الله الخلاصيّة. ونؤكِّد ملتزمين بأنّ الله يحكم العالم بتواضع الألم والحبّ. ففي مظهر الضّعف هو كلّي القدرة، وفي مظهر العجز يستطيع أن يُخلّص كلّ واحد منّا. بإشارة الصليب نضع ذواتنا تحت حمايته وتحت قدرة الله، ونسير في طريق الحياة على خُطاه، وفقًا لدعوته:«من أراد أن يتبعني، فليضحِّ بنفسه، ويحملْ صليبَه ويتبعْني» (مر8: 34).
إشارة الصليب مع الكلمات هي إعلانُ إيمان بالله الثالوث: الآب والابن والرّوح القدس. وعندما نستعمل الماء المبارك مع هذه الكلمات، عند مدخل الكنيسة أو في بيوتنا، فلكي نتذكّرَ معموديّتنا، حيث كلَّلتنا محبّةُ الآب، وافتدتنا نعمةُ الإبن وأحيتنا شركة وحلولُ الرّوح. ونتذكّر بنوع خاصّ أنّ المعمودية أشركتنا في موت المسيح وقيامته، وأعطتنا قدرة الإنتصار على التجربة والنهوض لحياة جديدة؛ وبتعبير القديس بولس، مكّنتنا من أن «نخلع عنّا باستمرار الإنسان العتيق ونلبسَ الإنسان الجديد» (كول3: 9-10). هذا كلُّه يعني أنّنا نعيش بشكلٍ دائم تحت مفعول الحدث الإلهي الذي تمّ يومَ معموديّتنا.
20.إشارةُ الصليب إذن تختصر كلّ جوهر الدّين المسيحي الذي ختمْنا على جباهنا بطـابع الصليب بكلّ أبعاده ومفاهيمه (راجع رؤيا7: 3). المسيحيّة هي ديانة البركة. فالمسيح هو البركة للخلق أجمع ولجميع النّاس. بواسطة إشارة الصليب نستطيع نحن أن نبارك بعضنا بعضًا. الأمُّ تبارك طفلها بإشارة الصليب على جبينه وعلى صدره، وترافق بها أولادها عندما يغادرون البيت. والوالدون يباركون أولادهم بالماء المبارك. البركة حركة كهنوتيّة بحُكم المعموديّة، وحركة كهنوت الوالدين، فضلًا عن بركة الكاهن والأسقف بسلطان الدّرجة المقدّسة[18].
* الوقوف والجلوس
21.الوقوف هو للصلاة، كما نجده في العهدَين القديم والجديد، فيقتضي أن نقفَ كما يليق بحضرة الله. نجدُ في الإنجيل، على سبيل المثال: الفرّيسي الذي وقف في الهيكل يصلّي، والعشّار الذي وقف بعيدًا يقرع صدره ويُصلّي (راجع لو18: 11 و13). الوقوف هو لاحترام كلام الله الذي نسمعه، ولله الذي نتوجّه إليه بالصلاة، وللسيّدة العذراء والقدّيسين كذلك. وهو للتّعبير عن الجهوزيّة لعيش كلام الله والعمل بموجبه في حياتنا اليوميّة والشهادة له في ثقافتنا.
بحسب التقليد المسيحيّ، عملًا بالقانون 20 من مجمع نيقية (سنة 325) المسيحيّون لا يركعون طيلة زمن الفصح، من أحد القيامة حتى أحد العنصرة الذي نعود فيه إلى الرّكوع والسجود برتبة خاصّة. الوقوف، في زمن الفصح، هو لذكرى قيامة يسوع المسيح وانتصاره على الخطيئة والموت، وللتعبير عن فرح القيامة. الوقوف علامة الانتصار. هكذا رأى اسطفانوس ساعة مثوله أمام المجلس «يسوع واقفًا عن يمين الله» (اعمال7: 55). عندما نقف لنصلّي، نتأمّل الرّب يسوع واقفًا في مجده، ومستعدًّا ليأتي لنصرتنا في حاجتنا، ولا يتراجع. فنتّحد بانتصاره، لنذهب ونلاقي كلّ محتاج وضعيف[19].
22.الجلوس هو من أجل التأمّل والخشوع، ما يقتضي أن يكون جسدُنا في حالة استراحة، فيسهل السماع والتأمّل والإستيعاب، وتوجيه أنظار العقل والقلب إلى يسوع. إنّنا في ذلك «نلتمس وجه الله»(مز27: 8). فهو أسمى منّا، لكنّه يأتي لملاقاتنا، ونحن بدورنا نسعى إلى التقرّب منه بصلاتنا. والجلوس للتأمّل يساعدنا على الدّخول إلى عمق نفوسنا، فندرك فقرنا وضعفنا ومحدوديّتنا أمام عظمة الله، وفي الوقت عينه لكي نجدَ الله في أعماق نفوسنا. هو«الأقربُ إلينا أكثر من قُربنا نحن لذواتنا»، على ما يقول القدّيس أغوسطينوس، وعندما نجد الله في داخلنا، نعرفُ حقيقة ذواتنا[20].
* فتح اليدين وضمّهما
23. فتحاليدين هو حالة المصلِّي، ونجدها لدى جميع الأديان. هو التعبير عن حالة السّلام والرفض للعنف، وعن إنفتاح القلب على الله وقدّيسيه بالثقة والرّجاء. يُشبَّه فتح اليدَين بالجناحَين، وكأنّ الإنسان يريد الإرتفاع نحو العُلى، إلى الله بجناحَي الصلاة. بالنسبة إلى المسيحيّين، فتح اليدين يذكّر بذراعَي المسيح على الصليب المفتوحتين، لكي يجتذب إليه الجميع (راجع يو12: 32) ويضمّهم إليه. كما يُذكّر بتسليمه المطلق لإرادة الآب كفعل عبادة بنوي، وباتّحاد كامل معه:«لا مشيئتي أيّها الآب، بل مشيئتك»(متى 26: 39). فتح اليدين عبادة لله، ومحبّة لجميع النّاس.
24.أمّا ضمّ اليدَين فهو علامة إيداع الذات بين يدَي الله، للتعبير عن الثّقة بعنايته وعن الأمانة لمحبّته. الكاهن يضمّ يدَيه في الرّسامة بعد مسحهما بالميرون، كعلامة لقبول وديعة الكهنوت، هوّية ورسالة وسلطانًا، فيحافظ على الوديعة لا كأنّها ملكيّتُه، بل كموكَّل عليها من قِبل الله. إنّه يتذكّر ذلك في كلّ مرّة يضمّ يدَيه بعد الصّلاة، كتعبير عن المحافظة على ما ناله من نِعم وعطايا من لدُن الله[21].
* الانكباب على الأرض
25.من أهمّ تعابير الصّلاة الرّوحيّة، بحركات الجسد، الانكباب على الأرض والرّكوع أو السّجود والارتماء، ونجدُها كلَّها في الكتاب المقدّس.
الانكباب على الأرض هو الإرتماء بكامل الجسم والوجه نحو الأرض. نجده عند يشوع لمّا رأى «رئيس جيش الرّبّ»(يش 5: 14)، واعتبر أوريجانس أنّ هذا الرئيس هو المسيح الذي سيأتي. الرّبُّ يسوع نفسه انكبّ على الأرض للصّلاة في جبل الزيتون ليلة آلامه، إذ «أكبّ على وجهه يصلِّي قائلًا: يا أبتِ، إن أمكن، فلتعبرْ عني هذه الكأس!» (متى 26: 39؛ مر14: 35). يسوع يسقط على الأرض ليكون في حالة سقطة الإنسان، ويُصلّي إلى الآب من أعماق العزلة والحاجة. فيضع إرادته البشريّة الخاصّة في عهدة إرادة الآب، ليشفي إرادة الإنسان الضعيفة بقدرة إرادة الله: «لا مشيئتي، بل مشيئتك». هذه هي كلمة الحقيقة التي تحرّر، والتي من أجلها قَبِل يسوع هذا الضّعف البشري وقاومه، لكي يقوّيه بالقدرة الإلهيّة[22]
الانكباب على الأرض في روحانيّتنا وتقليدنا الماروني معروف «بالمطانيّة» المشتقّة من اللّفظة اليونانيّة في العهد الجديد (ميتا- نويا Metanoia) وتعني التّوبة والانسحاق مع ثورة على الذّات بروح الارتداد عن الشرّ والعودة إلى الله. اعتاد الآباء القدِّيسون على القيام بالمطانيّات اللّيليّة بهذه الرّوح. وما زلنا نحافظُ عليها بنوع خاصّ في رتبة السّجدة للمسيح المصلوب يوم الجمعة العظيمة. ولكنّها تبقى جزءًا مهمًّا من روحانيّتنا المارونيّة النُسكيّة. فهي إقرار بضعفنا الذي يرمي بنا أرضًا، وبحاجتنا إلى قدرة نعمة المسيح القائم من الموت، لكي يُنهضنا ويُقوّينا.
* السجود والركوع
26.السّجود معروف في الكتاب المقدّس بمعنى العبادة حسب اللّفظة اليونانيّة Proskynein. عندما رأى التلاميذ يسوعَماشيًا على البحر، ثمّ صعد إلى السّفينة بعدما انتشل بطرس من الغرق، «سجدوا له وقالوا: حقًّا أنتَ ابن الله»(متى 14: 33). كذلك الأعمى منذ مولده الذي شفاه يسوع، لمّا لقيه بعد شفائه، وسأله إذا كان يؤمن بابن الإنسان، استفسر قائلًا: «ومن هو يا سيّد؟ أجابه يسوع: لقد رأيتَه، وهو الذي يكلّمُك! فقال: أنا أؤمن يا ربّ، وسجدَ له»(يو9: 35-38).
السّجود هو فعل إيمان وعبادة أمام الله، أمام المسيح، أمام سرّ القربان. وهو يتمّ عادةً بالسجود على الرّكبتَين أمام القربان المقدّس المصمود، وبالرّكوع على ركبة واحدة عند تبخير الصّليب أو أيقونة قلب يسوع. هذا الرّكوعُ معروفٌ بالعبريّة بلفظة«Barak». إنّ طيّ الرّكبة يرمز، حسب تقليد العهد القديم، إلى طيّ قوّتنا أمام الله الحيّ، والاقرار بأنّ كلّ ما نحن عليه هو عطيّة منه. ومعلوم أنّ الرّكبة «Berek» ترمز إلى القوّة.
إنّ فعل العبادة الرّوحي يعبّر عن ذاته بحركات الجسد، وهنا بالسجود أو الرّكوع. من دون فعل عبادة روحي، يفقد السجود كلّ معناه، ويصبح مجرّد فعل خارجي. العبادة الحقيقية تشمل الانسان في كلّ كيانه[23].
* الارتماء على القدمَين
27.توجد حركة جسديّة أخرى في الصّلاة هي الارتماء على القدمَين للطّلب والتوسّل، كما فعل الأبرص عندما ارتمى جاثيًا على قدمَي يسوع وقال له: «إن شئتَ فانتَ قادرٌ أن تطهّرَني»(مر1: 40)؛ والشابّ الغنيّ الذي أسرع إلى يسوع وارتمى على قدمَيه، وسأله:«أيّها المعلّمُ الصالح، ماذا أعملُ لأرثَ الحياةَ الأبديّة؟»(مر10: 17)؛ والرّجل الذي دنا من يسوع، وجثا أمامه وقال: «يا ربّ، إرحم ابني، لأنّه مصابٌ بداء الصّرع...» (متى17: 14)، هذه الحركة الجسديّة هي تعبير عن الإيمان بيسوع وبقدرته، وعن الثقة به واحترامه. إنّها نابعة، أوّلًا، من القلب، ومرئيّة في حركة الجسد. في نقيضها نجد من «يجثو» أو «يرتمي على القدمَين» للإستهزاء والتحقير، كما فعل جنود الوالي عندما «ضفروا إكليلًا من شوك، ووضعوه على رأس يسوع، وجعلوا بيمينه قصبة، وجثوا أمامه واستهزأوا به قائلين: سلام! يا ملك اليهود!»(متى 27: 29)[24].
* إنحناءةُ الرأس
28.إنحناءةُ الرأس هي علامةُ التواضع أمام الله الذي ينتزعُ منّا روح الكبرياء. وهي رذيلةٌ في أساس خطيئة الإنسان الذي يتكبّر على الله ويُخالف وصاياه ورسومه، ويجعلُ من نفسه إلهًا. هذه كانت خطيئةُ آدم وحوّاء: «تكونان شبيهَين بالله» (تك3: 4-5). ذروةُ انحناءة الرأس تواضعًا ظهرت في الرّبّ يسوع عندما «انحنى وغسل أرجل التلاميذ» (يو13: 1-20).
والإنحناءةُ تعني انحناءَة المحبّة والمشاعر الإنسانيّة، مثل الله الذي حنته محبّتُه ورحمتُه فأقبل إلينا متجسّدًا. نحن مدعوّون لننحني على أخينا الإنسان، كلِّ إنسان، في جرحه وعوزه ومرضه وحاجته. ونحني رؤوسَنا لقبول البركة بالقربان أو بالأيقونة أو بصلاة البركة في القدّاس، في كلّ مرّة يدعو المرتّل «أحنوا رؤوسكم»، أو يتلو الكاهن: «بارك أللّهم شعبك المنحني أمامك»، أو عند تبخير الجماعة. وتعني الإنحناءة أيضًا التوبة وانسحاق القلب، مع قرع الصّدر، مثلما فعل العشّار في الهيكل (راجع لو18: 13)[25].
* الصّمت
29.الصّمت في الاحتفالات الليتورجيّة عنصر أساسي، لكي نستقبل في القلوب كلام الله، ونتأمّله، ونتّخذ منه المقاصد. وهو ضروريّ لكي نردّد في القلب ما أعلنّاه باللّسان من صلوات وأناشيد وأدعية ومزامير، وما قمنا به في القدّاس وفي سواه من الرّتب الليتورجيّة. ومن الواجب أيضًا أن تلحظ الروبريكات والإرشادات الطقسيّة هذه الأوقات[26].
الفصل الرابع
الرّموز في القدّاس الإلهيّ
30.كلّم يسوع الجموع بالأمثال والرموز، مستعملًا صورًا من الطّبيعة ومن حياة الإنسان، ورموزًا ومصطلحات لكي ينقل إلينا ويُفهمنا الحقائق المختصّة بملكوت الله. نقرأ في إنجيل القدّيس متّى: «إزدحم عليه جمعٌ كبير، فكلّمهم بأمثال على أمور كثيرة» (متى 13: 2-3). في الواقع، نجد في الأناجيل الإزائيّة، متى ومرقس ولوقا، ثلاثين مثلًا.
أمّا يوحنّا فيقدّم تعليم إنجيله في فنٍّ أدبيّ قريب من الأمثال، مع استعمال صوَر من الطبيعة وحياة النّاس، مثل «الكرمة والأغصان» (يو15: 1-10) لكي ينقل إلى فهمنا الكنيسة السرّ والشركة والرسالة، ومَثَل الحظيرة والخراف والراعي والذئب (يو10: 1-16) لينقل إلى فهمنا علاقته بكلّ إنسان وبالبشرية جمعاء، ومفهوم السّلطة في الكنيسة، وعلى صورتها كلّ سلطة في العائلة والمجتمع والدّولة.
31. الليتورجيّا، من حيث هي عمل الخلاص الذي يمتدّ عبر الأعمال الطقسيّة والعلامات السرّيّة، هي ملأى بالرموز. ذلك أنّ الرمز يدلّ إلى أمر آخر، غير الذي نراه. تستعين الليتورجيّا بالرموز لكي تصل بها إلى الحقيقة التي لا تُرى، ولكي يتمكّن مَن هم على إيمان واحد أن يتواصلوا فيما بينهم[27]. اللّيتورجيّا بامتياز هي ذبيحة القدّاس المعروفة باللّيتورجيّا الإلهيّة، والمؤلّفة من قسمَين أساسيَّين: ليتورجيّا الكلمة التّعليميّة واللّيتورجيّا القربانيّة أو الإفخارستيّة. يتكوّن بناؤها من مصطلحات ورموز ترتبط كلّها بشخص يسوع المسيح والثالوث وتدبيره الخلاصيّ. فالرّمز والمصطلح هما العلامة الخارجيّة التي تشير إلى المرموز إليه ومن خلالها تنتقل الجماعة المؤمنة من المفهوم المادّي إلى الحالة الرّوحيّة، ومن العلامات الحسيّة إلى حقيقة ملكوت الله.
قبل الدخول في مفاهيمهما وأبعادهما الرّوحيّة واللاهوتية والكنسيّة، يجدر بنا، من أجل مشاركة فيها فاعلة وواعية، أن نشرح عناصرها القربانيّة ورّموزها ومصطلحاتها، فيكون احتفالنا اللّيتورجيّ مُثمرًا.
* الصليب
32.الصليب هو الرّمز الأساس للحياة المسيحيّة والاحتفال الليتورجيّ. هو رمز الانتصار على الموت بالحياة التي منحنا إيّاها الرّبّ يسوع، ورمز القربان وتقدمة الحمل النقيّ المذبوح لأجل فدائنا وخلاصنا؛ هو نبع الغفران وراية السّلام وعلامة المصالحة بين جميع الشّعوب الذين جعلهم واحدًا.
الصّليب في التّقاليد المسيحيّة الأولى، لا سيّما في اللاهوت الأنطاكي السّرياني، هو علامة الحضور الإلهي، يرافق كلّ الإحتفالات اللّيتورجيّة: في القدّاس وفي سائر الأسرار والرّتب الطّقسية. من الصّليب تنبع الحياة اللّيتورجيّة وتأخذ سائر الرّموز كامل معانيها.
إنّنا نحثُّ الجميع على رسم إشارة الصّليب في الإحتفالات اللّيتورجيّة وخارجها، بشكل واضح وبخشوع. وندعوهم، وبخاصة الوالدين المؤتمنين على نقل وديعة الإيمان، لرسم إشارة الصليب في بيوتهم، قبل تناول الطعام وبعده، وفي مختلف مرافق الحياة اليوميّة، فيعيشوا دائمًا في حضرة الله؛ لأنّنا بإشارة الصّليب نستحضر الثالوث الأقدس الآب والإبن والرّوح القدس، ونلبس قوّة من العلاء (لو 24: 49)، لأنّ الصليب قوّة الله (1قور1: 18)، وقوّة الكنيسة، وهو فيها بمثابة الصّارية في السفينة، على ما يقول المكرَّم البطريرك أسطفان الدّويهي، إلى جانب جسد المسيح ودمه؛ وهو الجسر الذي نعبر عليه من دُنيانا إلى السّماء، كما ننشد في ليتورجيّتنا المارونيّة.
* الشموع والأنوار
33.تعود رتبة إضاءة الشّموع والأنوار في أصلها إلى ليتورجيّا القبر المقدّس في أورشليم، وترتبط رمزيّتها بأنوار القيامة وفرح الإشتراك بالأسرار المقدّسة[28]. ويرى المكرَّم البطريرك أسطفان الدّويهي، في الشّموع المُضاءة، حضور المسيح نور العالم، وعلامة الإيمان الذي ينير حياتنا، والرّمز لمواهب الرّوح القدس. وعن استخدام الشمع العسلي على المذبح يقول أنّه رمز الطّهارة والنّظافة. ويضيف: «كما أنّ الشّهد تجمعه النّحلة من عامّة الزّهور، هكذا الخادم الذي يوقده أمام جسد الرّبّ يجب أن يحوي جميع الفضائل»[29]. تضاء الشّموع في القدّاس وفي كلّ الرّتب الطّقسيّة والصّلوات الجماعيّة، لا سيّما عند المساء إذ ترتبط رمزيّتها أساسًا بالمسيح الذي ينير ظلمات العالم بقيامته المجيدة مصدر كلّ استنارة.
* الكأس والصّينية، والصّمدة والغطاء- النّافور
34.الكأس والصينيّة عنصران أساسيّان في خدمة الذبيحة الإلهيّة. من رموز الكأس أنها تدلّ على القبر والصينيّة على الحجر الذي وُضع على بابه؛ كما يُشار بالكأس إلى الصخرة التي تفجّرت منها ينابيع الخلاص فأروت الشعب العطشان، والصينيّة إلى السَّلّ التي وضع فيها موسى خبز الحياة الذي أعطاه الله لشعبه في البرية[30]. ترمز «الصمدة» التي تُهيّأ عليها القرابين إلى الكفن الذي لُفّ به جسد الرّبّ في القبر، والنافوران الصّغيران لتغطية الكأس والصّينية، يرمزان إلى المنديل الذي لُفّ به رأس الرّبّ. والنّافور الكبير الذي يُغطيّ الكلّ يرمز إلى مجد الرّبّ وإلى احتجابه تحت شكلَي الخبز والخمر[31].
* البخور
35.يرمز البخور إلى المسيح الذي «بذل نفسَه لأجلنا قربانًا وذبيحةً لله طيّبةَ الرّائحة» (أف5: 2). فصار تعبيرًا عن الصّلاة التي نرفعُها لله: «لتُقَم صلاتي كالبخور أمامك» (مز 140: 2)، وعن صلوات القدّيسين، كما جاء في رؤيا يوحنّا: «رأيت الأربعة والعشرين شيخًا يقدِّمون جاماتٍ من ذهب ممتلئةً بخورًا وهي صلواتُ القدّيسين» (رؤيا 5: 8).
يُقدَّم البخور لله إكرامًا وصلاة. لذلك يقولُ الكاهن عند وضع البخور في المبخرة مبارِكًا: «لمجد الثّالوث الأقدس وإكرامه»؛ وعندما يُبخّر المؤمنين، فليحنوا رؤوسهم، ويرفعوا بقلوبهم صلاةَ تمجيد وشكر لله لأنّه، بصلاة الغفران، نقّاهم من خطاياهم وقدّسهم له. فلا يجوز، في أي حالة، عدم استعمال البخور، حسب ما يقتضيه الاحتفال الليتورجيّ، وتجنّب ما يخالف ذلك.
يُشار بالمبخرة إلى السيّدة العذراء التي قبلته في حشاها البريء من الدّنس ولم تحترقْ من حرارة لاهوته. وبسلاسل المبخرة يُشار إلى الأقانيم الثلاثة المتساوية في الجوهر والقدرة والجودة. وبالحلقة التي تجتمع بها السلاسل، إلى الطّبيعة الإلهيّة الواحدة بثلاثة أقانيم. أمّا في كيفيّة التبخير خلال الإحتفالات الليتورجيّة، يجب، توحيدًا للعمل اللّيتورجي في كلّ كنائسنا المارونيّة، التقيّد بإرشادات الكتب الطّقسيّة، محافظةً على الرّمزيّة والمشاركة الواعية.
* اللّباس اللّيتورجيّ وألوانه
36. يرمز اللّباسُ اللّيتورجي الى «الإنسان الجديد الذي نلبسه والذي خُلق على مثال الله في البرّ وقداسة الحقّ»(أف4: 24)، وإلى الإستعداد للإحتفال بنقاوة الفكر والقلب، وإلى السلطان الكهنوتيّ الذي منحه الرّبّ لرسله «لتمجيد الثالوث الأقدس وبنيان الكنيسة». يشرح المكرَّم البطريرك الدّويهي معاني اللّباس كما يلي: الكتونة ترمز إلى البرارة والنّقاوة؛ الزّنّار إلى الجهوزيّة للخدمة كالمسيح الذي ائتزر بمنديل وطفق يغسل أرجل التّلاميذ (يو13: 4-5)؛ المنصفة ترمز إلى خوذة الخلاص والتأمّل في الأمور السّماويّة ومعرفة الأسرار، وإلى إكليل الكهنوت وإكليل الشّوك، وإلى تجسّد إبن الله الذي أخفى ألوهيّته وأخذ صورة العبد وجاء إلى العالم وهو مُحتجَب بمنديل النّاسوت[32]؛ البطرشيل، حسب اللّفظة اليونانيّة «بتراكليون»، يرمز إلى الخضوع لكلام الرّبّ وحفظ وصاياه بحسب قوله: «نيري طيّب وحملي خفيف» (متى 11: 30)، ويرمز إلى سلطان الكهنوت[33]. الغفّارة – البدلة ترمز إلى المحبّة التي تعمّ جميع الفضائل، واتّحاد الإيمان، وحلول الرّوح القدس من العلاء، وفضيلة الحقّ والبرّ. يرتديها الكاهن كعلامة لمحبّة المسيح التي يشهد لها بمحبّته الرّاعوية[34].
يرمز اللّباس اللّيتورجيّ إلى البُعد النّهيويّ- الإسكاتولوجيّ فهو لباس الجسد الممجَّد الذي يتكلّم عنه بولس الرّسول: «لا بدَّ لجسدنا الفاسد أن يلبسَ عدم الفساد، ولجسدِنا المائت أن يلبسَ عدم الموت» (1كور15: 53). وهو المسكن الجديد الذي يتكلّم عليه أيضًا: «إذا نُقضَ مسكننا الأرضي، فلنا في السماوات مسكنٌ من الله، بيتٌ لم تصنعه الأيدي، أبدي» (2كور5: 1).
إنّنا نوجب، احترامًا للمسيح رأس الأحبار، على الكاهن المحتفل بالقداس، أبرشيًّا كان أم راهبًا، أن يقيمه بكامل اللّباس الكهنوتيّ المارونيّ، وعلى الكهنة المشتركين أن يلبسوا البطرشيل فوق الجبّة أو العباءة عند الحاجة. ويمنع وضع البطرشيل على الكليرجمان.
37. أما الألوان اللّيتورجيّة فلا يوجد في تقليدنا الأنطاكي الماروني تحديد واضح حول استخدامها، لكن في الوقت عينه، ومن خلال المقارنة مع الطقوس الشّرقيّة والغربيّة، نرى أنّ اختيار الألوان يتجّه نحو نظرة موحَّدة ترتكز على معنى الزّمن اللّيتورجي، وتأخذ بُعدًا طبيعيًّا جماليًّا.
فعملًا بالإرشادات الطّقسيّة العامّة تسعى لجنتنا البطريركيّة إلى تحديد الألوان الطّقسيّة على النّحو التالي: في زمن تجديد وتقديس البيعة وما يتبعه من أزمنة الميلاد المجيد، فالألوانُ المقترحة تتراوح بين الأبيض الذي يرمز إلى الحياة، وصولًا إلى الألوان الذهبيّة المُضيئة؛وفي زمن الدنح اللون الأحمر لأنّه يرمز إلى عنصرة الرب، بحلول الروح القدس عليه في نهر الأردن؛
وفي زمن الصّوم الكبير وهو زمن التّوبة وتجديد الإيمان، يبرز اللّون اللّيلكي – الموف؛ أمّا في الأسبوع الفصحيّ وهو الأسبوع المؤسّس للحياة اللّيتورجية في الكنيسة، فتتبدّل الألوان بحسب الاحتفالات الفصحيّة: اللّيلكي خلال مطلع الأسبوع، الأبيض أو الذّهبي في خميس الأسرار، القرمزي أو الأحمر السمّاقي يوم الجمعة العظيمة لأنّه يوم الشهادة والاستشهاد؛ وفي هذا اليوم يُجرَّد المذبح من الأغطية رمزًا ليسوع المُنزَل من على الصّليب والموضوع في قبر، وهكذا تدخل الكنيسة إلى سبت النور، يوم الإنتظار لبزوغ فجر القيامة. في هذا السبت، يُحتفَل برتبة الغفران إستعدادًا لعيد القيامة بالجبّة والبطرشيل الأبيض رمز الغفران والمصالحة، وعند انتهاء الرّتبة يلبس المذبح لباس العيد.
يوم الأحد الذي يبدأ ليتورجيًّا السبت مساءً، تُزيَّن الكنيسة بالشموع والزّهور وتُختار الألوان الفارحة كالذهبي والأبيض. في زمن العنصرة، يُختار اللّون الذهبي كما اللّون الأحمر رمزًا للألسنة الناريّة. يُختار في أعياد الشهداء اللَّون الأحمر أو القرمزي، وفي أعياد القدِّيسين اللّون الأبيض ومشتقّاته، وفي الأعياد المريميّة الأبيض يتخلّلُه الأزرق.
* عناصر القرابين في القدّاس: الخبز والخمر والماء
38. هذه الموادّ الثلاث هي من إرادة المسيح. هو أخذ الخبز وحوّله إلى جسده، والخمر وحوّلها إلى دمه. فكما الخبز المادّي يقيت الإنسان لكي يعيش، هكذا الربّ جعل خبز جسده غذاء روحيًّا للنفوس وعربونًا للملكوت الأبدي. وكما تفرّح الخمرة قلب الإنسان كذلك يفرح مَن يغتسل من خطاياه بدم المسيح. أمّا الماء الذي سال مع الدّم من صدره المطعون بالحربة (يو19: 34)، فتمزجه الكنيسة بالخمر في كأس القدّاس، لإعلان الحياة الجديدة المكتملة في سرّ الفداء، وكعلامة الاتّحاد به.
الفصل الخامس
ليتورجيّا الأرض وليتورجيّا السماء
39. كتاب رؤيا القديس يوحنّا يقدّم لنا صورة رمزية عن ليتورجيّا السماء المهيبة التي تنشد الله الخالق الجالس على العرش: «قدّوس، قدّوس، قدّوس، الرب الإله القدير كان وكائن ويأتي»(4: 1-8)، وتنشد للحمل المذبوح، وهو المسيح الذي صُلب وقام، وهو الكاهن الأعظم والحقيقيّ خادم هذا المقدس، ويهتفون: «يحقّ للحمل المذبوح أن ينال القدرة والغنى والحكمة والجبروت والإكرام، له المجد والحمد» (5: 12). وسُمع نشيد كلّ خليقة في السّماء والأرض وتحت الأرض وفي البحر والكون تقول: «للجالس على العرش وللحمل الحمد والإكرام والمجد والجبروت إلى أبد الدهور» (5: 13). ومن العرش والحمل يتفجّر نهر الحياة الذي يرمز إلى الروح القدس (22: 1).
في هذه الليتورجيّا السماوية الثالوثيّة يشركنا الروح والكنيسة عبر ليتورجيّا الأرض، حيث نحتفل بسرّ خلاصنا في الأسرار المقدّسة[35].
40.في ذبيحة القدّاس يتحقّقُ عمل فدائنا بالحضور الإلهي بيننا وفينا عبر سرّ المسيح الفصحيّ، سرّ ذبيحته لخلاصنا ووليمة جسده ودمه لحياتنا. نقرأ في دستور المجمع المسكونيّ الفاتيكانيّ الثاني حول اللّيتورجيّا: «إنّ مخلّصَنا يسوع المسيح، في العشاء الأخير، في اللّيلة التي أُسلم فيها، أسّس ذبيحة جسده ودمه القربانيّة لكي تدومَ بها ذبيحةُ الصليب، عبر الأجيال حتى مجيئه في الدَّهر الآتي، ولكي يستودعَ الكنيسة، عروستَه الحبيبة، ذكرى موته وقيامته، لتكون سرّ التقوى، وعلامةَ الوحدة، ورباط المحبة والوليمة الفصحيّة، التي فيها نتناول المسيح، وتمتلىء النفس بالنعمة وتنال عربون المجد الآتي»[36].
كلمةُ «قدّاس» تعني «التّقديس»، كما صلّى الربّ يسوع، من بعد أن قدّس الخبز والخمر في عشائه الفصحيّ الإفخارستيّ: «يا أبتِ القدُّوس، أنا أقدِّس ذاتي من أجلهم، ليكونوا هم أيضًا مقدَّسين في الحقّ» (يو 17: 19). قدَّس ذاته ببذلها كذبيحة تامّة، فأضحى الحَبرَ المقرِّب والقربان الذبيح في آن. وقدَّسنا بموته وقيامته.
* المشاركة في القدّاس
41.في كلّ مرّة نشارك في ذبيحة القدّاس، إنّما نعيش حدثَ خلاصنا، سرّ موت المسيح وقيامته؛ ونشكر الله الآب على محبّته لنا بابنه يسوع ربِّنا؛ ونجدّد محبّتنا للمسيح الرب؛ ونشارك روحيًّا بموته وقيامته؛ كما إننا نجلس إلى مائدة عشائه السّري، ونسمعه يقول لنا «هنا والآن» بصوت الكاهن: «خذوا كلوا، هذا هو جسدي الذي يُبذَلُ من أجلكم... خذوا اشربوا، هذا هو دمي الذي يُهرق من أجلكم» (لو12: 19-20)؛
وأيضًا نتقدّس بحلول الروح القدس، في عنصرةٍ جديدة، عندما نهتف ثلاثًا مع الكاهن المحتفل: «استجبْنا يا ربّ، وليأتِ روحُك الحيُّ القدّوس، ويحلَّ على هذا القربان فيقدّسَه، ويحلَّ علينا فيقدّسنا ويعطينا القوّة لنعيش إيماننا كاملًا»؛ وندرك أخيرًا أنّنا نحتفل بقربان المحبّة والمصالحة مع الله ومع بعضنا البعض، فيما نسمع الربَّ يقول لنا: «إذهبْ أوّلًا وصالحْ أخاك، ثمّ عُدْ وقرِّبْ قربانَك» (متى 5: 23).
* عمل المسيح والجماعة
42.تتألّف رتبة القدّاس من خدمتَين: خدمة الكلمة وخدمة القربان. في كلتَيهما يوجد، على رأس الجماعة المؤمنة، المسيح نفسه الذي هو الفاعل الأساسيّ. إنّه الكاهنُ الأعظم الذي يرأس بشكل غير منظور كلّ احتفال إفخارستيّ، يمثِّله الأسقف أو الكاهن مترئس الاحتفال، فيما يشاركه الشعب كلّه، ومن بينه القرّاء وخدّام المذبح ومقدِّمو القرابين والمرتّلون[37].
إنّ اللّيتورجيا الأرضيّة، وإن قامت على أيدي الكهنة، يبقى المسيح الرب هو الذي يقيمها بشخصهم، وتبقى الليتورجيّا عمل المسيح الكلّي الحاضر بكلامه وذبيحة جسده، الذي يشمل الملائكة والقدّيسين والبشر، الأحياءَ والأموات، الماضي والحاضر والمستقبل، بشكل مختلف. رؤيا القدِّيس يوحنا تصف بصور سرّية هذه اللّيتورجيا السماويّة، ليتورجيّا الله التي يتمّ فيها عيد المحبّة وفرح الآب والابن والروح القدس، والتي نتّحد بها من خلال ليتورجيّا الأرض[38].
* الانسجام في الأدوار والحركة الطقسيّة
43.لكلّ احتفال طقسيّ ليتورجيّته، من حيث الأشخاص وأدوارهم وحركاتهم. فلكي تكون الجماعة على مستوى الاحتفال الذي هو دائمًا إلهيّ وبشريّ في آن، لا بدّ من تحقيق الانسجام بين كل عناصره وخدّامه وهم: المحتفل، المعاونون، الشمامسة، القارئون، المرتّلون، خدّام المذبح والجماعة المصلِّية. يجب تلاوة الصلوات وإعلان القراءات بوضوح وخشوع، بإيمانٍ وورع، فإنّا في حضرة الله. في هذا الإطار، ترسم الإرشادات لكلّ شخص في الإحتفال دوره ومهمّته، فنصلّي المزامير بنغم بسيط، ونرتّل الألحان بفرح وتقوى، ونؤدّي الصلوات الجماعيّة بطريقة هادئة، منتظمة وواضحة.
بهذه الروحيّة، يجب إتقان الحركات الطقسيّة، فتأتي تعبيرًا عن إيمان المصلّي، لا مجرّد حركة خارجيّة. إنّها إنسجام بين الموقف الدّاخلي والموقف الخارجي. ليعِ المؤمن لماذا يعمل ما يعمل. والانسجام يشمل الجماعة المشتركة أيضًا، فتقوم كلّها بالحركة نفسها في الوقت نفسه. لا مجالَ لتعبير فرديّ خاص غير منسجم مع الجماعة المصلّية ولو بدوافع إيمانيّة صادقة: هذا واقف ذاك جالس وآخر راكع.
حركة طقسية واحدة في وقت واحد تصنعها الجماعة كأنها شخص واحد. في هذا الإطار، ينبغي التقيّد بالإرشادات الخاصّة في كلّ رتبة مثل: رفع اليدَين للتضرّع والصلاة، وبسطهما إستعدادًا للمناولة، وانحناءة الرأس بخشوع عند رسم إشارة الصليب، وعند قبول البركة التي يمنحها المحتفل، والوقوف معًا والجلوس. إنّها ترتيبات تعكس روحانيّة جماعيّة وروح عبادة تليق بالحضور الإلهيّ[39]، وتضع الإنسان بكلّيته في حالة صلاة روحيّة وعقليّة وجسديّة، مع القلب الذي يصلّي بنقاء وسلام، وشكر وتسبيح[40].
تظهر هذه الروحانيّة الجماعيّة في اللّيتورجيّا الشعبيّة: في الزيّاح داخل الكنيسة أو خارجها، وتبريكات الشموع والماء والخبز والقمح والعنب وسائر ثمار الأرض التي هي من عطايا الله للإنسان. تجب المحافظة على هذه العلامات الحسّية في ليتورجيّتنا لئلّا ندخل في خطر «تجريد» الحياة من رموزها فيُفقَد المعنى[41].
* المنشِّط الليتورجيّ
44. بقدر ما يكون الاحتفال اللّيتورجي مهيّأ، بقدر ذلك يؤتي ثماره الروحيّة. فلا ارتجال في احتفالاتنا لئلاّ تفقد الكثير من روحانيّتها وخشوعها، بل ينبغي وجود منشّط ليتورجيّ للاحتفالات الطقسيّة: ينظّم الاحتفال ويوجّهه وينسّقه، ليأتي منسجمًا وجذّابًا. يعنى المنشِّط، بتوجيه من كاهن الرعية، بتنظيم إحتفالات لفئات من الرعيّة كالأطفال والشباب والعائلات والمرضى وسواهم. هذه تحيي بشكل دوري قدّاس الأحد في قلب الجماعة. فقدّاس الأحد هو التعبير المنظور عن وحدة جسد المسيح السرّي، الذي هو الكنيسة الواحدة الجامعة المقدّسة الرسوليّة ونواتهاالرعيّة. «فالليتورجيّا تصنع الكنيسة والكنيسة تصنعها» كما يعلّم الآباء[42].
* الترنيم
45.يشكّل الترنيم واللّحن اللّيتورجي وحدة متكاملة مع النص والحركة والرمز تعبّر عن اتّحاد كنيسة الأرض بكنيسة السماء، في أداء نشيد الشكر والتمجيد للآب على محبّته التي تجلّت بالخلاص الذي حقّقه الابن، ويتمّمه الروح القدس في العالم؛ والألحان الكنسيّة هي انعكاس لتسبيح الملائكة في ليتورجيّا الحمل. لذا امتازت اللّيتورجيّا بإتقان الألحان، وكان لا بدّ من جوقات مدرَّبة تقوم بهذه الخدمة. الطقس المارونيّ الذي يتميّز بألحان جميلة ذات طابع شعبيّ لم يحصر الخدمة اللّحنيّة بالجوقة، بل يريد أن تساعدَ جوقة المرتّلين الشعب على تأدية الألحان والمشاركة فيها، وهذه من أبرز ميزات طقسنا[43]. إنّ بساطة طقسنا على عمقه وطابعه الشعبيّ، لم يمنع من تكوين جوقات بدأت تتألّق بالحِرَفيّة الموسيقيّة. إنّها أيضًا عطية من الروح وكنّارات له، شرط ألاّ تحلّ مكان الشعب لاسيّما في الإحتفالات الكبرى والمناسبات الكنسيّة الهامّة، فيضحي الشعبُ صامتًا، مستمعًا ومتفرِّجًا، بل ليبقَ دور الجوقة مساعدة الشعب في الترنيم، لأنّ «مَن رتّل صلّى مرّتَين»، على ما يقول القدّيس أغسطينوس.
في هذا السياق يجب التمييز بين اللّحن الكنسيّ الطقسيّ والأغنية الروحيّة التي لها دورها ومنفعتها في التنشيط الرعويّ خارجًا عن أطر الاحتفالات الطقسيّة. إنّ اختيار الألحان في القدّاس هو مسؤوليّة لاهوتيّة وكنسيّة وتربويّة، وعلى الكاهن مع فريق عمله والخدمة أن يُحسن اختيارها لخير النفوس. هذا الأمر يتطلب تثقيفًا لاهوتيًّا ومعرفةً ليتورجيّة تساهم في عيش الحدث اللّيتورجيّ بشكل واع ومغذٍّ[44].
* دور الكاهن
46. للكاهن دور أساسيفي الاحتفال اللّيتورجي؛ فكهنوتُه مرتبط مباشرة في الإفخارستيّا والأسرار. إنها منطلق روحانيّته وينبوعها، وهي الزاد اليوميّ في حياته وعمله ورسالته. الليتورجيّا، بالنسبة إليه وإلى الجماعة المؤمنة هي «الينبوع والغاية». الحياة الأسراريّة أولويّة عنده؛ فهو، بطبيعة خدمته، اللّيتورجيّ والمعلِّم والمنشِّط والمساعد لأن تكون الإحتفالات الليتورجيّة في رعيّته مصدر الغذاء الروحي للمؤمنين والمؤمنات.
اللّيتورجيا هي ليتورجيّا الايمان والخشوع والترتيب والفرح وإعطاء كلّ شيء قيمته وقدسيّته. إنها زمن الوليمة المقدّسة، الذي يخرجنا من منطق زمننا لندخل في منطق الثالوث، حيث يرتوي الكاهن والجماعة من الكنوز الروحيّة، ويروون معهم العطاشَالى البرّ (متى5: 6). هنا يتحقّق الكهنوت ويناغم المحتفل بين صوته وقلبه، بين الظاهر والباطن، بين الإتقان الليتورجيّ البهيّ والعلاقة الحميمة العاموديّة مع المسيح الحيّ والحاضر معنا؛ هنا يستثمر المحتفل كلّ المواهب والطاقات ويكون المتضرّع والمعلّم والكارز وصاحب الذَّوق الرفيع؛ هنا يتحقّق سرّ «التدبير».
* واجبُ الأسقف
47.أمّا المسؤول الليتورجيّ الأوّل فهو الأسقف، رئيس كهنة شعب الله في أبرشيّته. به تتعلّق حياة المؤمنين والمؤمنات الروحية، لكونه حارسًا ومنشّطًا ومترئّسًا للحياة اللّيتورجيّة بأجمعها. دوره تعزيز الحياة الليتورجيّة وتنظيمُها بحسب رسوم الكنيسة المارونيّة الخاصّة وعاداتها المشروعة وتراثها. وبذلك يحقّق الشّركة مع إخوته الأساقفة. عليه أن يتّحد مع إكليروسه ويكونَ حارسًا متنبّهًا للضمير الليتورجيّ الحيّ لدى شعبه.
من واجبه أن يُنشئ لجنة ليتورجيّة تتواصل مع اللّجنة البطريركيّة وتعمل على تدعيم العمل الليتورجيّ في الأبرشيّة. وعلى الشعب المؤمن أن يقدّر قدرًا عظيمًا الحياة الطقسيّة حول الأسقف، ولاسيّما في الكنيسة الكاتدرائيّة، التي ينبغي أن تكون مثالًا في ممارسة الحياة الليتورجيّة.
على الأسقف أن يوفّر لكهنته التنشئة الليتورجيّة المستديمة، من خلال دورات تثقيفيّة ومحاضرات دوريّة، تعنى بشؤون اللّيتورجيا النابعة من التراث الأصيل لكنيستنا؛ وعليه أن يقود المؤمنين إلى ينابيعها الروحيّة، ويسهر على تطبيق قواعدها، وفق توجيهات كنيستنا المستمرّة، من أجل تنشيطها ونموّها وتقدّمها، للحفاظ على تراثنا العريق والغنيّ في آن[45].
* التنشئة الليتورجيّة
48.التنشئة الليتورجيّة ضروريّة للغاية من أجل تحقيق المشاركة الروحيّة الواعية والفاعلة في الاحتفالات اللّيتورجيّة. ينبغي أن تطال الإكليروس والشعب، وأن تتوفّر في الرعايا والمدارس ودُور النشء للكهنة والرهبان والراهبات، وفي الكلّيات اللّاهوتيّة، ومعاهد التثقّيف الدينيّ. تُستَخدَم لهذا الغرض وسائل الإعلام وتقنيّات التواصل الحديثة.
ذلك عملًا بتوصية المجمع البطريركيّ المارونيّ التي تعتبر أنّ «الإصلاح الليتورجيّ» يتحقّق في الكنيسة عندما يجمع بين أمرَين: التنشئة العلميّة والبحثيّة لليتورجيّا من الناحية التاريخيّة واللاهوتيّة والرعويّة، والتنشئة المستمرّة للكهنة والإكليريكيّين والرّهبان والرّاهبات والعلمانيّين بغية تعميق الفهم الليتورجيّ والمعرفة الطقسيّة بأبعادها اللاهوتيّة والروحيّة والرعويّة من جهة، وإحيا
الاحتفالات الطقسيّة وإنعاشها في الجماعات الرعائية المصلّية من جهة أخرى[46]. فبفضل هذه التنشئة الشاملة، تستمرّ اللّيتورجيّا المارونيّة، كما كانت، ممتزجة بواقع المؤمنين وحياتهم. لقد أظهرت ذلك اختباراتهم الحياتيّة في صلواتهم وخيارات حياتهم المسيحيّة وحاجاتهم الروحيّة، في ظلّ الاضطهادات والآلام والأفراح.
فكانت اللّيتورجيّا مرآة تعكس إيمان هذه الكنيسة المؤمنة بالله الثالوث، وبتجسّد الابن الوحيد الإله الكامل والإنسان الكامل؛ وكانت ليتورجيّة توفّق بين الاحتفال بالتدبير الإلهيّ وعيش الاختبار البشريّ الحرّ والصّادق.
لذا، يُطلب بإلحاح من الرّعاة أن يجتهدوا، بغيرة وصبر، في تأمين تنشئة طقسيّة للإكليروس والمؤمنين وتوعيتهم على مفاهيمها الضّروريّة، ليتمكّنوا من المشاركة الفعّالة في الاحتفالات التي ترفع قلوبهم إلى الله فيما يحتفلون حسيًّا بسرّه الخلاصيّ[47].
إنّ الليتورجيّا تُشكِّلُ مدرسة إيمان، حسب قول آباء الكنيسة: «شريعةُ الصلاة هي شريعةُ الإيمان»، فلا لاهوت خارجًا عن الليتورجيّا والصلاة[48].
الفصل السادس
قدّاس الربّ يسوع قدّاسنا
49.إحتفل الربّ يسوع بقدّاسه الأوّل بعد قيامته من بين الأموات مع تلميذَي عمّاوس (لو24: 13-33)، وعلى أساسه تكوّنت ليتورجيّة القدّاس بخدمتَيها: خدمة الكلمة وخدمة القربان.
في خدمة الكلمة، كان تلميذا عمّاوس في حالة إصغاء ليسوع يشرح لهما الكتب، وقد أُمسكت عيونهما عن معرفته. سار معهما في الطريق وراح يبدّد حزنهما ويشدّد عزيمتهما ويثبّت إيمانهما «بما جاء في الكتب»، وفي داخل كلّ منهما توق قلق لمعرفة حقيقة ما جرى ليسوع الناصري.
سمعاه يشرحُ الكتب ويطبّقها على الأحداث التي شغلت بالهما. ولشدّة تعلّقهما به وبكلامه وشرحه، ألحّا عليه بالمكوث معهما في ذاك المساء، وبدّل يأسهما إلى رجاء. ولمّا عرفاه عند كسر الخبز قال أحدهما للآخر: «أما كان قلبنا يحترق في صدرنا، حين حدّثنا في الطريق وشرح لنا الكتب المقدسة؟» (لو 24: 32).
سار معهما، شرحَ الكتب، أصغيا إليه، طمأن قلبيهما بلمسة الروح ... إنّها مفاعيل خدمة الكلمة في كلّ قدّاس.
في خدمة القربان،ألقى يسوع سلامه في قلبَيهما بتلبيته دعوة تلميذَيه ودخوله بيتهما، بعد أن دخل في صميم قلبَيهما، فكسر الخبز محوّلًا إيّاه إلى جسده وناولهما، مؤكّدًا حضوره الدائم. عندئذ عرفاه، فتوارى للحال عنهما، تاركًا في قلبَيهما شعلة الشّهادة له. فقاما للحال، وكأنّه أرسلهما، ورجعا إلى أورشليم بروح رسالي ليخبرا عن قيامته.
هبة السلام، كسر الخبز، حضوره الدائم معنا، احتجابه في القربان، شعلة القلب، والشهادة لقيامته... إنها مفاعيل خدمة القربان في كل قدّاس.
50. قدّاسنا وحدة متكاملة من بدايته حتّى نهايته، ولا يمكن أن يتجزّأ. إنّه خدمتان متكاملتان كما في قداس الرب. ليست مقبولة المشاركة المتجزأة، كأن يصل مؤمن أو مؤمنة أو كاهن بعد نهاية خدمة الكلمة ويشارك في المناولة، معتبرًا أن قدّاسه كامل. هذا غير مقبول لأنّ من ليس له الكلمة ليس له القربان. كلمة الرب هي «الباب الضيّق» (متى7: 13) للدخول إلى وليمة القربان.
* خدمة الكلمة
51.خدمة الكلمة في قدّاسنا، كما في قدّاس الرب، تبدأ في توق القلب للقاء المسيح المعلّم والمخلّص، والرغبة في الاستنارة بكلامه، لكي نقرأ، على نورها، علامات حياتنا اليوميّة، فنثبت في الإيمان، ونتقوّى في الرجاء، ونشعل في قلوبنا المحبة. يُشار إلى هذه الاستنارة بشمعة الرسالة وشمعتَي الإنجيل، عملًا بقول صاحب المزامير: «كلمتك مصباح لخطاي ونور لسبيلي» (مز119: 105).
مع إعداد القرابين على المذبح الجانبيّ، نضع ذواتنا ومحبّتنا لله ولبعضنا البعض، وأعمالنا الصالحة وآلامنا وهمومنا، ونوايا صلاتنا. ومع الكاهن ندخل بيت الربّ، وننحني أمام عرش القدّوس، حاملين بعضنا بعضًا بالصلاة. ومعه نبدأ خدمة الكلمة، برسم إشارة الصليب، لمجد الآب والابن والروح القدس، ورفع صلاة اليوم الافتتاحيّة.
بعد صلاة الافتتاح ننشد تسبحة الملائكة. لماذا تسبحة الملائكة في القداس وهي تسبحة ميلادية؟[49]. في القداس، نتأملّ في كلّ مرحلة من مراحل يسوع الخلاصية: ميلاده (تسبحة الملائكة) حياته العلنية وتجواله في القرى والمدن (زياح الانجيل)تعليمه وآياته (تلاوة الإنجيل والعظة) إرتماءه في بستان الزيتون وصلاته إلى الآب (ركوع الكاهن وصلاته: إستجبني يا رب...) إلقاء القبض عليه وحمله الصليب إلى الجلجلة (نقل القرابين من المذبح الصغير إلى المذبح الكبير)موته وقيامته (كسر الخبز وإعادة جمع القسمَين معًا بعد نضحهما بالدّم) صعوده إلى السماء (رفع الجسد والدّم عاليًا) حلول الروح (بالمناولة) إرسال التلاميذ (بالبركة الختامية (إذهبوا...). بما أنّ ميلاده هو بدء حياته في الجسد، نبدأ القداس بعد صلاة الافتتاح بنشيد الميلاد.
في تلاوة صلاة الغفران المعروفة بالحسّاية المشتقّة من اللّفظة السريانيّة، نلتمس مغفرة خطايانا وخطايا الشعب كلّه، بعد التمجيد والشكر لعظمة الله القدّوس، والتشفّع لدى العذراء مريم وشفيع كنيسة الرعية والدَّير والقدِّيسين. ونلتمس الرّحمة الإلهيّة من المسيح ابن الله، هو الذي خلّصنا وافتدانا بتجسّده وموته وقيامته، هاتفين ثلاثًا: «قدُّوسٌ أنت يا الله، قدّوسٌ أنت أيّها القوي، قدّوس أنت يا من لا يموت! ارحمْنا». ونسأله مع الكاهن أن «يقدِّسَ افكارَنا وينقّي ضمائرنا لكي نصغي إلى كلامه»، ونقبله في قلوبنا ونعمل به.
وبمزمور القراءات الذي يحتوي تقديسات وتهاليل، نسمع كلام الله بإيمان حيّ في القراءتَين. فنضيء شمعة للأولى، وشمعتَين مع البخور للإنجيل الذي يزيَّح بنشيد هللويا، والشعب كلّه واقف بخشوع وتوق لسماع الربّ يتكلّم فيما الكاهن يقرأ ثمّ يجلس الشعب ويواصل إصغاءه للعظة التي تساعده على فهم الكلام الذي سمعه، وعلى كيفيّة تطبيقه في حياة كلّ واحد.
إن أخذ البركة من الكاهن المحتفل أو الأسقف، قبل تلاوة القراءتَين، فيرمز إلى السلطان الإلهي المُعطى لهما، وفي طليعته إعلان كلام الله، والمستمَدّ منهما. وتنتهي خدمة الكلمة بتلاوة قانون الإيمان وقوفًا.
52. مع خدمة القربان نبلغ إلى قلب الاحتفال القرباني وذروته. هذه الخدمة معروفة بالنافور، أي التقدمة القربانيّة، ويتضمّن صلاة الشكر والتّمجيد للآب، وذكرى ذبيحة جسد المسيح، وحضور الربّ الفاعل فينا بقدرة كلمته وروحه القدوس، ووليمة جسده ودمه.
* الانتقال إلى مذبح الربّ مع القرابين
قبل البدء بالنّافور يصعد المحتفل إلى مذبح الرب، وهو يقول: إنّي بكثرة نعمتك أتقدّم من مذبحك، أيّها الرب. ويطلب صلاة الشعب من أجله ومن أجل خدمته. إنّه الدخول إلى وليمة عرس الحمل والخروج في آن من منطق المكان والزمان. يدخل مع الجماعة ببهاء وفرح إلى العيد، فنرتفع نحو الحضور الإلهي الذي ينحني إلينا ليلاقينا حول المائدة. نتخلّى عن التفكير الدنيوي الأرضي لكي نعيش اللّحظة الإلهيّة والزمن المقدّس والحالة السماوية. فليتورجيّتنا على الأرض هي تذوّق مسبق لليتورجيّا السماء[50].
ثمّ نقل القرابين بزياح مهيب من المذبح الصّغير، حيث كان مهيّئًا، إلى المذبح الكبير حيث تجري ذبيحة الفداء. في كنيستنا المارونيّة، المذبح الصغير يمثِّل مدينة الناصرة حيث عاش الربّ يسوع حياته الخفيّة؛ والمذبح الكبير يعني مدينة أورشليم حيث قدّم ذاته ذبيحة فداء وخلاص للعالم كلّه. يضع المحتفل صينيّة الخبز وكأس الخمر، اللَّذَين سيتحوّلان إلى جسد الربّ ودمه، فوق الصّمدة على المذبح، التي ترمز إلى قبر يسوع، ويغطّيهما بالنافورَين الصغيرَين، كعلامة للحجر الذي وُضع على باب القبر.
ثمّ يضمّ يدَيه بشكل صليب على الأسرار المقدّسة، لأنّه بصليب الربّ صار الخلاص للعالم؛ ويتلو صلاة «لذكر ربنا» للدخول في ديناميّة الافخارستيا التي تنطلق من الحاضر الخلاصي، من الكنيسة التي تحتفل «هنا والآن»، مع شموليّة الماضي والمستقبل، في محوريّة الخلاص الذي حقّقه يسوع المسيح لأجل الجنس البشري. ويقدّم أخيرًا الطلب من أجل الأحياء والأموات.
* التقدمة القربانيّة
53.يبدأ النافور، حسب أي من القدّيسين واضعي النوافير، برتبة السلام، عملًا بوصية الربّ يسوع: «إذا جئتَ بقربانك إلى المذبح، وتذكّرتَ هناك أن لأخيك عليك شيئًا، دعْ قربانك هناك، قدّام المذبح، وامضِ أوّلًا فصالحْ أخاك، وحينئذ تعالَ وقرِّبْ قربانك»(متى 5: 23-24).
نقرأ من أقوال أفراهات الحكيم الفارسي: «كيف يمكن أن نحتفل بذبيحة المسيح للمصالحة ومغفرة الخطايا، ونحن لا نعيشها فيما بيننا؟ من المُخجل حقًّا أن نقرّب قربان الغفران والمصالحة لله، ونحن نغفر إساءة الغير ولا نصالح! ألسنا نكذّب على الله عندما نقول: «أنا أغفر، ولكنّنا لا نغفر؟ ليس الله إنسانًا حتى نحمله على الكذب»[51].
المحتفل، باسم الشعب، يتصالح مع المسيح، فيعطي السلام للمذبح والأسرار المقدّسة، ومنها يوزّع سلام المسيح لمعاونيه المحيطين بالمذبح، وللجماعة المؤمنة، فيما الشّماس يدعو: «ليعطِ كلٌّ منّا السلام قريبَه بمحبة وأمانة ترضي الله». يُعطى السلام بجمع اليدَين، إشارة إلى شركة الوحدة والمحبة.
54.ثمّ تبدأ التقدمة القربانيّة بالبركة الثالوثيّة التي تفتتح تدبير الله الخلاصي: «محبّة الله الآب، ونعمةُ الابن الوحيد، وشركة وحلول الروح القدس تكون معكم إلى الأبد». تتبعها صلاة التمجيد القربانية، فنشيد «قدّوس».
ويبدأ عمل الله الثالوث بالصلاة التي تسبق كلام التّقديس: الآب بحبّه للبشر أرسل ابنه الوحيد يسوع المسيح الذي تجسّد وخلّصنا وافتدانا، وترك لنا ذكرى ذبيحة الفداء التي تتحقّق بكلام التقديس فيتحوّل الخبز إلى جسده المبذول من أجلنا، والخمر إلى دمه المهراق لمغفرة خطايانا، ليكونا لنا وليمته الفصحيّة للحياة الأبديّة.
نواصل ذكرى مراحل حياة الفادي الإلهيّ وتدبيره الخلاصيّ من أجلنا، وصولًا إلى التماس حلول الروح القدس على الخبز والخمر لكي يكمّل الذبيحة «هنا والآن». فنصلي «لكي تكون هذه الأسرار المقدّسة لمغفرة الخطايا وشفاء النفس والجسد وتوطيد الضمير. فلا يهلك أحدٌ من شعبك المؤمن، بل أهّلنا أن نحيا بروحك، ونسير بالنقاوة ونرفع إليك المجد الآن وإلى الأبد» (نافور الرسل الاثني عشر). كل هذه الصلوات تُتلى معًا من الكاهن المحتفل والكهنة المشاركين.
55.تشكِّل الصلاة القربانيّة وحدة لاهوتيّة متكاملة تبدأ في البركة الثالوثيّة: محبّة الله الآب...، وتنتهي بصلاة: يا قربانًا شهيًّا...، كلّها عمل الله الثالوث الواحد. إنّها، بكلّ أقسامها، «قدس أقداس» القدّاس. ترتكز بنيتُها على الثّالوث الأقدس.
إنّها صلاة تدبيريّة؛ تحتفل بذكر تدبير الآب الذي يوصف من خلال أفعال افخارستيّة ترسم مراحل تاريخ التدبير الخلاصيّ إذ تبدأ بالخلق؛ فالكنيسة تشكر الآب على «نعمة الخلق» و»نعمة الحياة» و«نعمة الخلاص» الذي رسمه بعد «سقطة آدم». ترسم الصلوات القربانيّة تَدَخّل الآب لخلاص البشر، وتدخّله في «ملء الزمن» عندما أرسل ابنه الوحيد «متجسّدًا من الروح القدس ومن مريم العذراء، فأتى ودبّر كلّ شيء لخلاصنا».
تتابع الصلاة القربانيّة وصف تدبير الابن لا سيّما من خلال «خبر العشاء» أو ما نسمّيه «كلام التقديس»، وفيه دعوة الربّ لنا: «خذوا كلوا منه جميعكم، هذا هو جسدي»، «خذوا اشربوا منه جميعكم، هذا هو دمي»، «إصنعوا هذا لذكري».
إنّها كلمة الربّ التي تعكس إرادته، وهي الكلمة مُعطية الحياة؛ فمنها تخرج الحياة، وفيها القوّة التحويليّة للخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه.تتواصل وتتحقّق تقدمة الكنيسة في كلّ ذبيحة إفخارستيّة ما بين المجيء الأوّل والمجيء الثاني، لذا تسأل الجماعة الآب أن يرسل الروح القدس معزّيًا وبارقليطًا، متمّمًا وخاتمًا. وتأتي تذكارات الأحياء والأموات لتجسّد حقيقة الكنيسة بأبنائها وبناتها المدعوّين في هذا اللقاء القربانيّ، لصبحوا أعضاء حيّة في جسد المسيح وشهودًا لقيامته[52].
* التذكارات
56. تشكّل التذكارات جزءًا أساسيًّا من الصلاة القربانيّة، لأنّها «تذكر» الكنيسة برعاتها ومؤمنيها، أحيائها وأمواتها بروح الشركة، بعد «ذكر» تدبير الآب والابن والروح القدس الخلاصي. تستهلّ التذكارات بفعل «نقرّب»، كإمتداد لحدث التقدمة القربانيّة[53]، وفي مطلع كلّ نيّة بكلمة «نذكر يا ربّ» أو «من أجل»، كصدى «للذّكر» الذي تحتفل به الكنيسة. تتميّز صِيَغ التذكارات بمنطق أدبيّ ولاهوتيّ منسجم. فيجب عند إضافة تذكارات أخرى في بعض المناسبات المحافظة على الإنسجام مع مجمل الصلاة القربانيّة.
تتميّز التذكارات بأبعاد متنوّعة: البُعد اللّاهوتيّ هو الشّركة: «مَن طلبوا أن نذكرهم ومَن راموا أن يقدِّموا وما استطاعوا»، «الإخوة القائمين معنا والغائبين». البعد الانساني: «من أجل بركة السنة وخصب الأثمار»، «المرضى والأسرى»، «من أجل البعيدين والقريبين».
البُعد الإسكاتولوجي والكنسي: هو ظاهر في التعاقب الرسولي واستمراريته في الكنيسة إنطلاقًا من الإحتفال الإفخارستي: «من أجل الذين انفصلوا عنّا وانتقلوا إليك وقد اعتمدوا باسمك وتناولوا جسد ابنك ودمه الثمين منذ التلمذة المسيحيّة الأولى حتّى يومنا»؛ وفي الوحدة بين الأسقف والكنيسة والإفخارستيا: «من أجل المعلِّمين الحقيقيِّين الذين رقدوا على الايمان الحقّ، لاسيّما بطرس وبولس ومرقس...
هؤلاء الذين احتملوا من أجل ثبات بيعتك كلَّ عذاب واضطهاد»؛ وفي الإرتباط بين ليتورجيّا السماء وليتورجيّا الأرض، نقرأ: «أذكرْ يا ربّ في هذا الوقت على مذبحك السماويّ وعلى هذا المذبح».
* كسر القربانة والرسم والنضح والمزج والرفعة
57.هذه الأعمال الخمسة تشكّل رتبة واحدة، يمكن تسميتها «سرّ الأسرار»، لأنّها تهدف مجتمعة إلى التعبير عن موت الربّ على الصليب ودفنه وتقدمته للآب وقيامته وصعوده إلى السماء. إنّ لكل عمل ميزته ومعناه.
يرمز كسر القربان إلى الصلب والموت، ورسم الكأس بجزء من القربان إلى تقديس الدّم المُحيي، ونضح الجسد بغمسة في الدّم إلى إعطاء الحياة المرموز إليها بالدّم، ومزج الجسد بالدّم إلى توحيد جسد المسيح ودمه، ورفعةُ الكأس والجسد إلى قيامة الربّ وصعوده إلى السماء وإلى إكمال سرّ الفداء[54].
* الصلاة الربّية
58.في نافور «شَرَرْ» المنسوب للقدّيس بطرس هامة الرّسل، تأكيد على أن الربّ يسوع أوصىتلاميذه أن يتلوا صلاة الأبانا كلّما اجتمعوا لتقديس جسده. ومن الرّسل أركان الكنيسة، تسلّمت جميع الكنائس هذه الوصيّة، فأصبحت تُتلى، في جميع اللّيتورجيّات، بعد تقديس الأسرار[55].إنّها صلاة توبة تطهِّر القلب من الخطايا، وصلاة سلام نلتمسه من المخلِّص الذي يمنحه لأحبّائه قبل المناولة. فالسلام نعمة وبركة من الربّ الفادي. كلّ هذه المعاني تظهر في الصلاة الأولى، بعد الأبانا، وتليها تحيّة سلام من الكاهن، ومن الصلاة الثالثة التي يختمها ببركة الثّالوث الأقدس، فتنحني الجماعة لقبولها انحناءة الأبناء للآب السماوي الواحد.
ثمّ تأتي الدعوة للّذين هم في حالة سلام مع الله والأخوة، وفي حالة نعمة وبركة، إلى تناول جسد الربّ ودمه: «الأقداس للقدّيسين...». فيجيب المؤمنون: آبٌ واحدٌ قدّوس، ابنٌ واحد قدّوس، روحٌ واحد قدّوس، بمعنى: إذا كانت الأقداس - أي جسد الربّ ودمه - تُعطى لنا، وسُمّينا قدّيسين، فهذا ليس إلّا عطيّة حبّ مجّانيّة من الذي وحده القدّوس، ومنه تنبع كلّ قداسة[56].
* المناولة
59. تناول جسد الربّ ودمه يُدعى بالسريانيّة «شوتوفوتو» أي الشّركة مع المسيح الربّ. فعندما قدّس يسوع الخبز وكسره، أعطىالرّسل الأطهار، قائلًا: «خذوا كلوا منه كلّكم. هذا هو جسدي». وهكذا فعل على الخمر، قائلًا: «خذوا اشربوا منه كلّكم. هذه كأس دمي للعهد الجديد». وهكذا ترك للكنيسة مثالًا لتوزيع جسده ودمه على أبناء وبنات الإيمان.
قبل المناولة، يتلو المحتفل والجماعة صلاة «الشركة»: «أهّلنا أيّها الربّ الإله أن تتقدّس أجسادنا بجسدك القدّوس، وتتنقّى نفوسنا بدمك الغفور. وليكُن تناولنا لمغفرة خطايانا وللحياة الأبديّة، يا ربّنا وإلهنا لك المجد إلى الأبد». إنّها مناولة الجماعة: إثنان حول الكاهن يحملان شمعتين مُضاءتين احترامًا لجسد الرّبّ ودمه، هو الحاضر معنا وفينا، يُنيرنا بكلام الحياة، ويُقدّسنا بحلوله في قلوبنا؛ وشخص ثالث يحمل صينيّة لئلا يسقط شيء على الأرض من الجواهر المقدّسة[57]. أدعو الجميع إلى الالتزام بالمناولة تحت الشكلَين، وبعدم إعطائها في اليد ولو تحت الشكل الواحد.
وتشمل «الشَّركة» الموتى المؤمنين، فيتلو الشّعب أثناء وبعد المناولة نشيد:
خُذ منّا هذا القربان- إقبَل ربّنا الحنّان
موتانا بني الإيمان- أنعم بالعذب الرّضوان
إنّ الاحتفال بذبيحة القربان موجّه كلّه إلى اتّحاد المؤمنين اتحادًا عميقًا وعضويًّا بالمسيح بواسطة المناولة. هذا الاتحاد يُسمّى «شركة». فالمسيح الرّبّ قدّم ذاته من أجلنا لكي يُدخلنا في هذه الشّركة التي تنبع منه لكي تتّسع وتُصبح شركة وحدة ومحبّة وتضامن مع جميع النّاس. بالمناولة تسري الحياة الجديدة فينا، وتمتدّ إلى كامل أعضاء جسد المسيح، جماعة المؤمنين، مثل الماويّة التي تنطلق من الجذع وتمتدّ إلى أغصان الكرمة (راجع يو 15: 5-8).
وهكذا المناولة تصنع الكنيسة، وتُشدّد أواصر وحدة جسد المسيح السرّي؛ وتفتح القلوب على محبّة الفقراء والمُعوَزين؛ وتُعطي عربون المجد الأبدي. ولهذا تهتف الكنيسة باستمرار «مارانا تا – يا ربَّنا تعال» (1كور 16:22) «تعال أيّها الرّبّ يسوع» (رؤيا22: 20)[58].
* الشكر
60.تتواصل الصلاة القربانيّة بصلاة الشّكر، وهذا معنى كلمةإفخارستيّا. وهي تسبيح وتبريك لأعمال الله: الخلق والفداء والتّقديس. الشّكر لله، ككلّ شكر، يُسِرّ الشخص الموجَّه إليه. يوصينا بولس الرسول: «أشكروا على كلّ شيء. هذه هي مشيئة الله في المسيح يسوع» (أف 5: 18). يجدر أن نشكر الله في نهاية القدّاس: على كلام الحياة الذي سمعناه في الإنجيل، وعلى تقديس الأسرار التي نلنا منها المغفرة لخطايانا، وعلى المناولة التي أعطتنا جسده ودمه للحياة الأبديّة.
صلاة شكر وبركة: الأولى موجَّهة إلى الآب على محبّته اللّامتناهية، والثانية إلى الابن على ذبيحة ذاته لخلاصنا وعطيّة جسده ودمه لغذاء نفوسنا، وبواسطة الآب والابن إلى الروح القدس، لأنّه محبةُ الله المسكوبة في قلوبنا، ومحقّق ثمار الفداء والبركة في مؤمنيه. يتخلّل الاثنتين عطيّة السلام من الكاهن، لكي يحظى المؤمنون بابتهاج الروح، لأنّ المسيح حاضرٌ دائمًا في حياتهم[59].
* البركة - الإرسال
61.بعد أن بارك يسوع الخبز وكسره وناول تلميذَي عمّاوس، عرفاه هو الذي كان غريبًا عليهما، وللحال توارى عن أعينهما. فاشتعلت المحبّة الرسوليّة في قلبيهما وقاما للحال ورجعا إلى أورشليم، ليعلنا خبر قيامته، وكيف تراءى لهما في الطريق وعرفاه عند كسر الخبز (راجع لو 24: 30-35).
إنّ لفظة «إذهبوا بسلام مع الزاد والبركات التي نلتموها من مذبح الربّ الغافر، ببركة الآب والابن والروح القدس» التي يتلوها الكاهن في ختام القدّاس الإلهيّ، هي، في الحقيقة، صيغة إرسال لعيش ذبيحة القدّاس في العائلة والمجتمع والدّولة.
إنّ كلمة «قداس»، وهي في اللّاتينية Missiaمشتقّة من Missio، ومنها Messe بالفرنسيّة، وMass بالانكليزيّة، تعني «الإرسال».
صار القدّاس في الكنيسة بمثابة القلب من الجسد، وشعلة الروح هي الحبّ. بهذا القلب وهذا الحب أعلنَ الرسل الإنجيل بغيرة فائقة، وتجرّأ الشهداء على إراقة دمائهم، وتفانى الكهنة في خدمتهم، والرّهبان والرّاهبات في تكريس ذواتهم، والمؤمنون العلمانيّون من عيش معموديتهم
سرّ الإفخارستيا هو هذا «القلب» وهذا «الحب». ليس سرّ القربان فقط وجود الربّ يسوع الدائم في الكنيسة، بل هو دائمًا العبور من يسوع الإنسان إلى كلّ إنسان. الاحتفال بالقدّاس الإلهي هو هذا العبور: أن يصبح كلّ واحد منّا قربانًا، له قلب وحب من أجل الكنيسة.
بركة الإرسال هي أن يذهب كلّ واحد منّا إلى موقع حياته وحالته ومسؤولياته، ويعيش قدّاسه الشخصي، امتدادًا لمحبة المسيح العظمى التي جعلته ذبيحة فداء وغفران ومصالحة، وهبة ذات قربانيّة لحياة العالم.
الخاتمة
62.ليتورجيّتنا هي بحق ليتورجيّة الكنز الحيّ الذي به تغتني كنيستنا بجميع أبنائها وبناتها ومؤسّساتها، وتُغني مجتمعاتها باختباراتها الرّوحيّة والانسانيّة. فالكنز الحيّ هو تدبير الله الخلاصيّ الذي يُدخلنا في ديناميّة الثالوث القدّوس، مع بُعدٍ مثلّث: كريستولوجيّ واسكاتولوجيّ ومريميّ، مُعبَّر عنه في روحانيّة أنطاكيّة، سريانيّة ونسكيّة، محورها الكتاب المقدّس. ليتورجيّة الكنز الحيّ تكوّن هويّتنا المارونيّة ورسالتنا في قلب كنيسة المسيح، الواحدة الجامعة المقدّسة الرّسوليّة، وتساعدنا على الإسهام في تكوين ثقافتنا وحضارتنا الوطنيّة، وثقافات أوطاننا في الشرق الأوسط والنطاق البطريركي، وفي بلدان الانتشار، كما تشدّ أواصر الوحدة في كنيستنا المارونيّة المتأصّلة في الوطن الأمّ لبنان، وفي هذا الشّرق، والمنتشرة كأغصان الأرز في كلّ بقاع العالم.
لقد شكّل الاختبار الليتورجيّ عند الموارنة أهميّة محوريّة، فنمت فيه الحياة الكنسيّة وتطوّرت بكلّ أبعادها الروحيّة والراعويّة والرساليّة، وتجسّدت في نشاطاتها الثقافيّة والاجتماعيّة والإنسانيّة.
حاجات عصرنا الملحّة، والتّطوّرات العلميّة والتّقنيّة المتنوّعة، مع كلّ مؤثّراتها على حياة الإنسان والشعوب؛ تقتضي منّا إيجاد مكاننا ودورنا فيها، إنطلاقًا من هويّتنا التي لا تتبدّل، ورسالتنا التي تتنوّع وتنبسط لتطال المساحات الجديدة في عالمنا المتطوّر والمتزايدة حاجاتُه. وتبقى لنا في كلّ ذلك ليتورجيّة الكنز الحيّ الينبوع والغاية.
63. في نهاية السنة الثالثة لخدمتي البطريركية، أرفع صلاة الشكر لله معكم على كلّ ما أفاض علينا وعلى كنيستنا من خير ونِعم. ونبدأ بنعمته وبأنوار روحه القدّوس السنة الرابعة، حاملين الشهادة لمحبة المسيح ولإنجيله الخلاصيّ.
وإنّنا نضع هذه الرّسالة الرّاعويّة العامّة في عهدة إخواننا السادة المطارنة وكهنتنا ورهباننا وراهباتنا وشعبنا المؤمن، وفي عهدة مدارسنا الإكليريكيّة ودور التنشئة والمعاهد الدّينيّة، راجين أن يتعمّقوا فيها، ويحتفلوا بليتورجيّاتهم وفقًا لروحانيّة هذا الكنز الحيّ ورموزه ومصطلحاته، لا من أجل التعلّق بالحرف، بل من أجل الولوج إلى عمق «العبادة لله بالروح والحقّ» (يو4: 23)،
ولكي، بعد أي احتفال ليتورجيّ، ولاسيما ليتورجيّة القدّاس الإلهي، ننطلق بسلام إلى عالمنا، في العائلة والكنيسة، وفي المجتمع والدّولة، فنكون فيه جماعة المحبّة والسلام والعدالة، بروحانيّة التجسّد والتفاني القرباني، والمسيحُ يسوع نورنا وطريقنا، حقيقتنا وحياتنا (راجع يو 8: 12؛ 14؛ 6)، وسيّدتُنا مريم العذراء أمّنا تكشف لنا الطريق إليه، كنجمة الصبح الهادية، ونجمة الكرازة الجديدة بالإنجيل لعالمنا الجديد.
مع محبّتي والبركة الرسوليّة.
عن كرسيّنا في بكركي، عيد بشارة العذراء مريم، السنة الثالثة من خدمتي البطريركيّة، 25 آذار 2014
[1]. كتاب التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكيّة، 1070.
[2]. كتاب التعليم المسيحي، 1069 و1070.
[3]. راجع مجموعة قوانين الكنائس الشرقية، ق 28.
[4]. المجمع البطريركي، النص 12 في الفقرات 7-14 ترسم محطات هذا التطور؛ راجع الليتورجيّا، جامّو، هيكلية القدّاس الكلدانيّ من مطلعه ولغاية النافور. دراسة تاريخيّة OCA 207، روما 1979، (في الفرنسية)؛ غ. خوري – سركيس، الليتورجيّا السريانيّة. نافور الإثني عشر، باريس 1950، (في الفرنسيّة)؛ إ. هايس، مدرسة الرها، باريس 1930، (في الفرنسيّة)؛ ويليام ماكومبر، نظريّة أصول الطقوس السريانيّة والمارونيّة والكلدانيّة، OCP 39(1973)، 235 – 236؛ (في الإنكليزيّة)؛ م. حايك، الليتورجيّا المارونيّة. تاريخ النصوص الافخارستيّة، تور 1964، 5-12، (في الفرنسيّة)؛ المطران بطرس الجميّل، تجديد الحياة الطقسيّة في الكنيسة المارونيّة، تقرير الى اللجنة التمهيديّة لإعداد المجمع المارونيّ، قرنة شهوان، 1988؛ المطران يوسف سويف، رتب ما قبل النافور ونافور مار بطرس المارونيّ، الرقم الثالث، (شرر). دراسة تاريخيّة وليتورجيّة، روما 1992، (في الفرنسيّة)؛ أسّس الأباتي يوحنّا تابت مشكورًا مجموعة «البيت غازو» وقدّم لها وترجمها وهي مخطوطات ليتورجيّة مارونيّة تشكّل قاعدة أساسيّة في فقه أصول النصوص ومعرفة عناصرها المشتركة بين الليتورجيّات الشقيقة وتطويرها عبر العصور.
[5]. راجع المجمع البطريركي، الليتورجيّا، 2.
[6]. المرجع نفسه، الليتورجيّا، 18
[7]. المرجع نفسه، الليتورجيّا، الفقرات 18-24.
[8] .Joseph Ratzinger (Pape): opera omnia, Teologia della liturgia, p. 744
[9]. المجمع الفاتيكاني الثاني، دستورعقائدي في الكنيسة، 48.
[10]. المرجع نفسه، ص 58-59.
[11]. المرجع نفسه، ص 59 و60.
[12]. المجمع البطريركي، النص 12: الليتورجيّا، فقرة 58.
[13]. Ratzinger, Ibid, pp 75-76
[14]. Ibid, p 77
[15]. Ibid, pp 78-79
[16]. فرنسيس (البابا)، فرح الإنجيل، راجع الفقرات: 138-139 و145.
[17]. البطريرك إسطفان الدويهي (المكرَّم)، منارة الأقداس، الجزء الأول، بيروت، 1895، 416-417.
[18].Ratzinger, Ibid, pp 168-174
[19]. Ibid, pp 184-185
[20]. Ibid, pp 186-187
[21].Ibid, pp 192-193
[22]. Ibid, pp 176-174
[23].Ibid, pp 178-179
[24].Ibid, pp 179
[25].Ibid, pp 194-195
[26]. المجمع الفاتيكاني الثاني، دستور في الليتورجيّا، 30-31.
[27]. راجع كتاب الخوري (المطران مارون) ناصر الجميّل: الرموز المسيحية، بيروت، 2011.
[28].Pierre Maraval, Egérie. Journal de voyage (Itinéraire)- Valère du Bierzo. Lettre sur la Bse Egérie (par M. C. Diaz y Diaz), Sources chrétiennes, 296), Paris, 1982) réimpr. 1997)
[29]. الدويهي، منارة...، الجزء الأوّل، 159.
[30]. المرجع نفسه، 178 و 177.
[31]. المرجع نفسه، 178 و 179.
[32]. المرجع نفسه، 298.
[33]. المرجع نفسه، 299-300.
[34]. المرجع نفسه، 292-306؛ المجمع البطريركي...، الليتورجيّا، 444-445.
[35]. راجع كتاب التعليم المسيحي...، 1137-1139.
[36]. المجمع الفاتيكاني...، الليتورجيّا، 47.
[37]. راجع كتاب التعليم المسيحي...، 1348.
[38]. راجع Youcat، الفقرتان 170 و179.
[39]. المجمع البطريركي...، الليتورجيّا، 423-424.
[40]. المرجع نفسه، 432، 434ذ.
[41]. المرجع نفسه، 434.
[42]. المجمع الفاتيكـاني...، الليتورجيّـا، 218-219؛ المجمع البـطريركي...، الليتورجيّـا، 432.
[43]. المجمع البطريركي...، الليتورجيّا، 433.
[44]. المرجع نفسه، 446-447، و 242 - 246.
[45]. المرجع نفسه، 429-430.
[46]. المرجع نفسه، 430.
[47]. المرجع نفسه، 431-432.
[48]. المجمع الفاتيكاني...، الليتورجيّا، 207-209؛ المجمع البطريركي...، الليتورجيّا، 430-432.
[49]. «لما ولد يسوع في بيت لحم... ظهر جند من السماء يسبّحون الله ويقولون: المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام والرجاء الصالح لبنيس البشر» (لو2: 13).
[50]. كتاب القداس 2005، القسم الأول، 42-43.
[51]. راجع الشحيمة المارونية، زمن الصوم الكبير، الكسليك، 1979، صفحة 628.
[52]. LANNE E., “Liturgies eucharistiques en Orient et en Occident, 1er – 4ème siècles, “DS 9, 884-899; ANGGI H.-PHAL I., Prex Eucharistia, Pribourg 1968; BOUYER L., “The different Forms of Eucharistic Prayer and their Genealogy” SP 8, TU 93 (1966) 156-170; LIGIER L., “La struttura della Preghiera Eucaristica: Diversità e unità”, EL 82 (1968) 191-215; Voir GIRAUDO, Eucarista, 458 No 173; MACOMBER, Oldest Text, 360-361; ID., Ancient Form, 86 No 5; ID., Anaphora of the Apostles, 76; ARRANZ M., “L’économie du salut dans la prière du post-sanctus des anaphores de types antiochien, “ MD 106 (1971) 46-75; RAES, Paroles de la consécration, 486-504; LIGIER L., “De la cène de Jésus à l’anaphore de l’Eglise” MD 87 (1966) 7-51; ID., “ De la cène à l’eucharistie”, AdS 21 (1968) 19-57; LIGIER L., «Célébration divine et Anamnèse dans la première partie de l’anaphore ou Canon de la Messe Orientale”, Eucharisties d’Orient et d’Occident 2, LO 47, Paris 1970, 139-178
[53]. TAFT, Great Entrance, 47 n 133; TAFT, Diptychs,39, 47,59. RAHMĂNÎ, Testamentum domini nostri Jesu Christi, Mayence 1899, 22-23; M. METZGER, ÉD. LES CONSTITUTIONS APOSTOLIQUES, LIVRES VII – VIII (SC 336) PARIS 1987, 200-205. JANERAS S., “En quels jours furent prononcées les homélies catéchétiques de Théodore de Mopsueste?” Mémorial Mgr Gabriel Khouri-Sarkis (Louvain 1969) 133
[54]. راجع منارة...، الجزء الثاني، 446-447، 519-528.
[55]. المرجع نفسه، 471.
[56]. المرجع نفسه، 499.
[57]. المرجع نفسه، 536-539.
[58]. كتاب التعليم المسيحي...، 1382-1405.
[59]. راجع منارة...، الجزء الثاني، 615-618.