الحبّ..... «أضواء

 

 

 

لعل الخطر الأكبر على الحبّ هو أن يعتبر تحصيلًا حاصلًا! أكان الحبّ حبّ الزوجين أو حبّ العائلة أو حبّ الصداقة أو العهد بين الله والناس. حين نعتبر الحبّ تحصيل حاصل أي لا ننتبه للمحبوب لأنّه محبوب وكفى، يبدأ الحبّ بالذوبان. هذا هو العمق الأوّل في قراءة أشعيا(5/1-7) أم في إنجيل (متى 21: 33-43) نرى حبًا لا يجد له جواباً إلا جواب المستهلك الذي يأخذ علامات الحب على أنّها من باب تحصيل الحاصل.

أما العمق الثاني في نصوصنا فهو غضب الحبّ المجروح. لا نحبّ أن نقرأ نصوص الغضب في الكتاب. نريد إلهًا منزّها عن الغضب. ذلك أنّنا لا نقرأ الغضب إلا من منظور غبائنا. حين نختبر الغضب نفقد قدرتنا على التفكير السليم ونقوم بما لا نريد. أمّا الغضب الإلهيّ فهو غير ذلك. الغضب الإلهيّ هو رفض التخاذل أمام العدم.

حين يأخذ الإنسان طريق العدم يثور خالقه ويعيد خلق الإنسان أيّ إخراجه من عدمه. يغضب الله أيّ يغار على خليقته ولا يسمح أن تضيع. طوبى لمن يثور حبيبه على ضياعه لأنّ من يصمت عن الموت يتواطأ مع العدم. وحين يتشوه الحبّ ويصير تحصيل الحاصل يثور الحبّ ويقاوم.

حين تصمت الكنيسة عن الظلم لا يصمت الله، ويقيم في كنيسته أمثال فرنسيس الأسيزيّ وغيره لبناء الكنيسة. غيرة بيتك أكلتني يقول المزمور. حين يتوقّف الحبّ عن طلب الحقّ لا يتوقّف المسيح عن عمله: أبي ما زال يعمل وأنا أعمل أيضا. نتكلّم كثيرًا وبحقّ عن صبر الله ولكن أشعيا يعلّمنا أيضًا عن الغضب، وهو الحبّ الثائر الذي يتحوّل فينا إلى طاقة تغيّر العالم.

وأمّا الحبّ الذي لا يساوم مع العدم ولا يتساوى مع الاستهلاك ولا يخضع لمنطق تحصيل الحاصل هو ما يصفه بولس في رسالته إلى أهل فيليبي( 4: 6-9) : " فليَكُنْ شُغلَكم الشَّاغِل، كلُّ ما هو حقٌّ وشَريف، وعَادِلٌ وخالِص، ومُستَحَبٌّ وطَيِّبُ الذِّكْر، وما كانَ فَضيلةً وأَهْلاً لِلمَدْح."

الحبّ هو شغل شاغل لا تحصيل الحاصل. ليس أنّنا نستحق الحبّ بأعمالنا بل يثمر فينا الحبّ حبًا ونجيب على الحبّ بالحبّ. يريد الحبّ أن يكون محبوبًا ولا يقودنا حبّ الله إلى الحياة الأبديّة إلا إذا عرفناه. ليس لأحد أن يحبّ إلا بقدر ما يكتشف نفسه محبوبًا، لهذا نحتاج إلى أن نعيد اكتشاف حبّ الله لنا يوميًا. إن كان هذا شغلنا الشاغل فطوبى لنا، لأنّ حبّ الله يغفر كلّ خطايانا.

الأب داني يونس اليسوعيّ