الأسبوع الحاسم... كيف نعيش أسبوع الآلام؟ «أضواء
بعد إبحارٍ وعناءِ سفرٍ طويل في الصّوم الكبير وبعد استقبال ملك الملوك في أورشليم راكباً على أتان بهتافات "هوشعنا لابنِ داود" في أحد الشّعانين، تبلغ الكنيسة ميناء الخلاص لتغوص في سرّ فاديها المتألّم من خلال زمنٍ قصيرٍ بأيّامه وعظيمٍ بأحداثه.
إنّه "أسبوع الآلام" الذي يدعونا للتّأمّل في آلام يسوع ولعيش رجاء القيامة والإنتصار على الموت، ففي الأيّام الثلاثة الأولى نتذكّر ثلاثة مشاهد من الإنجيل المقدّس، الأوّل يوم "إثنين الآلام"، فيه يَلعَن المسيح التّينة التي بيَباسِها ترمز إلى دمار أورشليم وهيكلها ونَبْذ الشّعب غير المؤمن به (متى 21/17-27)،
وفي الثاني أي "ثلاثاء الآلام" يُعلن يسوع أنّ على المؤمنين به أن يجتهدوا ويدخلوا من الباب الضّيّق إلى ملكوت الله لأنّ مَن يبقى في الخارج يكون قد حَكَمَ على نفسه بالبكاء وصريف الأسنان (لو13/22-30)، أمّا الثالث "أي أربعاء الآلام" أو "القنديل"، فيه ينعقد مجلس أحبار اليهود بمعظم أعضائه لتتمّ المؤامرة (يو11/47-54). وفي هذا اليوم تُبارك الكنيسة الزّيت الّذي تَمْسَح به جباه المؤمنين لأنّ الزّيت يرمز إلى دخول النّعمة والشّفاء من الأمراض وتضميد الجراح (مثل السّامريّ: لو10/25-37).
وفي اليوم الرابع أي "خميس الأسرار" فيه يدخل الشّيطانُ يهوّذا الإسخريوطيَّ فيسلّم المسيح مقابل ثلاثين من الفضّة بعد الإحتفال بالعشاء السّرّيّ الذي فيه أسّس يسوع "سرّ الإفخارستيّا" أو "سرّ القربان" وفيه أيضاً أسّس "سرّ الكهنوت" بقوله "إصنعوا هذا لذكري" (لو22/1-23). ويُسمّى أيضاً "خميس الغسل" إذ أثناء القدّاس يقوم الكاهن برتبة "غسل الأرجل" مقتدياً بالمسيح الذي غَسَلَ أرجل تلاميذه. وفي ختام القدّاس يُنقَل القربان من بيته في المذبح الكبير إلى مقرّ يكون قد أُعِدّ ليكون سجناً للمسيح يُقيم فيه حتّى وقت المحاكمة يوم الجمعة العظيمة.
وبعدها تتوالى زيارات المؤمنين لسبع كنائس تَيَمُّناً بالعبادة التي نشأت في فلسطين مع شروق المسيحيّة والتي انتقلت مع القدّيس PhilippoNeri إلى مدينة روما في مطلع القرن السّادس عشر.
متأمّلين بمراحل محاكمة يسوع وآلامه بحسب الترتيب التالي: عليّة العشاء السريّ، جتسمانيّة(بستان الزيتون)، في المجلس عند قيافا، في قلعة أنطونيا عند بيلاطُس، عند هيرودُس، عند بيلاطُس مجدّداً، الجلجلة.
نشأت هذه العبادة القديمة في أورشليم – فلسطين، مع أولى إطلالات المسيحيّة، حيث كان يجتمع المؤمنون كلّ سنةٍ في ليلة خميس الأسرار “عند الساعة الأولى مِن الليل (أي السابعة مساءً) في كنيسة الإيليونا وهي الكنيسة الواقعة في جبل الزيتون، يُصلّون ويُرنّمون، إلى أن ينطلقوا في الساعة السادسة (أي الواحدة فجراً) بمسيرة مصلّية نحو قمّة جبل الإمبومون حيث "خرّ يسوع على ركبتيه وجعل يُصلّي..." (لو 22/41) ويبقَون هناك في الكنيسة مستمعين إلى الإنجيل حتّى صِياح الديك. مِنْ ثَمَّ ينحدرون إلى جتسمانيّة حيث أُلقيَ القبض على يسوع، ويُصلّون ويسمعون الإنجيل ثمّ يتوجّهون إلى باب المدينة، فالمدينة حتّى الصليب...” (كتاب إيجيريا، يوميّات رحلة، من أقدم النصوص المسيحيّة، سنة 383).
في مطلع القرن السادس عشر نُظّمت هذه العبادة بسَعْيِ القدّيس Filippo Neri في مدينة روما الإيطاليّة. فروما، المبنيّة على تلال سبعة، والتي تحدّث عنها يوحنّا الرسول في سِفر الرؤيا بأنّها أورشليم الجديدة، غدت مع المسيحيّين وطن المقابر السّبْع الأهمّ حيثُ شُيّدت أعظم الكنائس وقد أضحت مراكز حجٍّ منذُ حوالي ألفي سنة.
شجّع البابَوات هذه العبادة التي كانت تستغرق أربعاً وعشرين ساعة، إذ كان على المؤمنين السَيْر ما لا يقُلّ عن عشرين ميلاً، وقد أصدر البابا كِسيستوس براءةً ذكر فيها المعنى الرمزيّ للكنائس السبعة في سفر الرؤيا.
وعام 1935 أعطى البابا بيّوس الحادي عشر دَفْعًا جديداً لهذه العبادة ومنح الحجّاج غفراناً كاملاً، كما طلب مِنَ المسيحيّين القاطِنين خارج مدينة روما أن يُقيموها بدورهم. وفي ﭐفتتاحِهِ سينودسَ عام 1960، شدّد البابا الطوباويّ يوحنّا الثالث والعشرون على أهمّية ممارستها.
لم تَطُل السّنينُ حتّى عرفتها كنيسة الشرق من خلال الرهبان والكهنة الذين درسوا في روما ثُمَّ عادوا إلى وطنهم مُزوَّدين بعبادات مختلفة.
أمّا في اليوم الخامس أي "الجمعة العظيمة"، فيه يمتنع الكهنة عن القدّاس مكتفين برتبةٍ تدعى "رسم الكأس" أو"القدّاس السّابق تقديسه" يتناول فيها الكهنة والمؤمنون القربان المحفوظ من قدّاس خميس الأسرار، وتُخلى الكنائس من القربان وذلك دليل على حداد الكنيسة وحزنها، وتقام رتبة سجدة الصّليب إكراماً لِمَن بَذل نفسه عنّا قرباناً وفداءً والذي قام من بين الأموات؛ فحداد الكنيسة على موت فاديها ليس حداداً على ميتٍ بالبكاء والنّوح، بل بالصّوم والصّلاة والحياة البارّة. وفي المساء وبعد صلاة مساء سبت النّور، تُتلى طلبة الآلام.
أمّا اليوم الأخير من أسبوع الآلام، أي "سبت النّور"، فيه نزل يسوع إلى القبر وافتقد الرّاقدين وبشّرَهم بالقيامة والحياة الجديدة، وهو يوم فريد من السّنة الطّقسيّة لا يُحتفل فيه بالقدّاس ولا برتبة رسم الكأس، بل يُحتفل برتبة "صلاة الغفران" وهي رتبة مصالحة وتوبة جَماعيّة، في ختامها يُعلن المحتفل "المسيح قام حقّاً قام" لتعود وتلتئم الجماعة الكنسيّة في السّاعة الأولى من أحد القيامة الكبير يوم قام المصلوب الفادي منتصراً مهدِّئاً روع التّلاميذ مُعِيدًا إلى نفوسهم السّلام.
في الختام، "أسبوع الآلام هو، لنا، كالميناء لربابنة السّفينة، كالجائزة للعدّائين، كالإكليل للمصارعين. إنّه مصدر كلّ خير فيه نجاهد لِنَيل إكليل الجائزة. ونسّميه أيضاً الأسبوع العظيم! لا لأنّ أيّامه أطول من سواها، بل لأنّ الرّبّ صنع فيه العظائم" (القدّيس يوحنّا فم الذّهب).
موقع Aleteia