أمّا أنتم فسترونني «أضواء
مع القيامة تكتمل خبرتنا الروحيّة المسيحيّة، إذ ندخل في إتّحاد مع الذي يسكن في داخلنا، روح الحقّ والحياة، الذي لا يراه العالم ولكنّنا نسمع صوته ونتبعه، ونحن لا نعرف من أين يأتي ولا إلى أين يذهب (يو3: 8). وهو من يولِدُنا لذواتنا أحياءً، نعرف معنى الحبّ، وعلى مثال يسوع ومعه نبذل أنفسنا لكلّ الناس من حولنا. يأخذنا روح الربّ إلى أعماق نفوسنا، فنعرف أنّنا خُلِقنا في الحبّ وأنّنا مدعوّون للحبّ، ولا معنى للحياة إلاّ في الحبّ.
والحبّ ليس عواطف هوجاء أو مشاعر عابرة، بل قرار واعي وحرّ بالإرتباط بيسوع نبع الحبّ، الإبن الذي يأخذنا إلى قلب الآب مصدر كلّ أبوّة في السماء والأرض (أف 3: 14). وواقعيًّا يعني الحبّ أن نحفظ وصايا يسوع وأن نعمل بها، ووصيّته لنا أن نحبّ بعضنا بعضاً (يو15: 17).
فإذا كنا في الإبن حقًّا، ظهر حبّنا في نوعية علاقاتنا بالناس ومواقفنا من أحداث المجتمع والكنيسة. فالمحبّة دائمًا تتأنّى وتترفّق، تصبر وترجو، تصحّح وتغفر، تلتزم بالحقّ وتدافع عن العدل، تنتبه إلى الفقير وتشفق على الضعيف، لا تبحث عن الغنى والجاه والتقدير، بل في كلّ شيء تبتغي خدمة الله وتمجيده وإعلان اسمه القدّوس.
ونحن نعي تمام الوعيّ بأنّ الحبّ وإن كان رغبة قلبنا العميقة، فهو ليس بمقدورنا ولا على قدر نوايانا، لأنّ الحبّ هو صفة الله، ومنه فقط تأتينا هذه النعمة. فمَن يريد الحياة طلب روح الحبّ من الله، وهو واثق بأنّ الله يهب الرّوح بغير حساب (يو 3: 34).
يومًا بعد يوم، يحوّل الله الإنسان، نحن والإنسانيّة جمعاء، ليصبح على صورته كمثاله، كاملاً في الحبّ. وقد نتساءل هل هذا حقّ؟ هل الله حاضر في عالمنا الذي نعرفه بضجيجه وتضارباته، وسط الظلم والكذب والنفاق، مع انتشار بؤس الكثيرين وعدم اكتراث عظماء هذا العالم؟ الله حاضر في القلوب ولكنّه لا يحدث ضجيجًا، يعمل فيها بصبر ورجاء، كالخميرة في العجين، يفتح العيون العمياء والأذن الصمّاء، يزرع أملاً ورجاءً أعظم من اليأس، يُشرِق نورًا لا تُدركه الظلمة.
في سرّ القلب يأتي يسوع برقّة ولطف وعذوبة، ويظهر نفسه لِمَن يبحث عن معنى لحياته ونور لطريقه، يدخل إلى قلبه بنعمة الرّوح القدس كمَن يدخل إلى بيته، يدعو الإنسان باسمه ويُخرِجه إلى أفق الحياة الواسعة، وهو واثق بالراعي الصالح الذي يقوده إلى المراعي الخضراء والمياه الصافية وسط طرقات العالم وأصواته.
لا يُخرِجنا يسوع من عالمنا، بل يمنحنا نورًا ووداعة وتواضعًا، فنتعلّم منه كيف نحبّ الناس والعالم، كيف نعطي من أنفسنا بلا حساب، كيف نُقدّم بدون انتظار للردّ. مع يسوع نمضي ضد تيار العالم لنحبّ العالم، فهو لا يعرف الحبّ ويشتاق إليه في الوقت نفسه، ينظر إلى الحبّ على أنّه ضعف وهو يعرف بوجه مُبهَم أنّه سبيل الإنسان الوحيد للحياة.
والحبّ يخلق منّا أخوة بعضنا لبعض، نعترف بأنّنا من الآب جئنا وإليه نعود، وأنّه جعل في أيدينا كلّ شيء، أعطانا كلّ شيء في الابن الحبيب. فلا يمكن أن نسير ضدّ التيار بمفردنا، بل معًا نكوّن جماعة يسوع، كنيسته الحاضرة وسط العالم، خادمة للحياة والحقّ والسلام والعدل.
ولا نستطيع أن نواجه احتقار العالم للحبّ، واستهزائه به، بل رفضه واضطهاده له، إلّا بنعمة يسوع مَن مات وقام من بين الأموات، وبفضل دعم ومساندة الأخوة بعضهم لبعض. لسنا يتامى كما يعتقد العالم، فيسوع معنا، في خفية قلبنا، نراه بعيون الإيمان، ونسمع صوته الحنون الذي يعلنه لنا روحه القدّوس.
في وسط العالم، زرع الله خميرة حبّ وحياة، نحن الذين وضعوا رجاءهم في يسوع الإبن، مَن أحبّنا حتى أنّه بذل حياته من أجلنا، وأفاض علينا روحه القدّوس. بوجه لا يُدرِكه العالم، ويغيب عن فهمنا نحن أيضًا، يجدّد الله خليقته ويجمّلها، إذ يقيم عندنا روحه القدّوس ويكون فينا. يحوّل الله ماء حياتنا إلى خمر جديدة وجيّدة ونحن لا نعرف كيف يكون هذا، ولكن ما علينا إلاّ أن نسلّم أنفسنا لروح الحبّ والحياة الذي يتكلّم في قلبنا، فنكون مع يسوع المسيح أبناء للآب وأخوة بعضنا لبعض وللناس كلّهم.
الأب نادر ميشيل اليسوعيّ