أما كان قلبنا متّقدًا في صدرنا؟ «أضواء
يشبه التلميذان السائران على طريق عمّاوس الكثيرين من المؤمنين. يسيرون في طرقات حياتهم حاملين قصّة جميلة، قصّة رجل حُكم عليه من أجل قناعاته، تألّم من أجل صدقه، مات من أجل حبّه، قصّة لا تنتهي إلاّ بالحيرة: يقولون إنّه حيّ أمّا هو فلا أحد رآه.
قصّة جميلة ولكن غير قابلة للتصديق، فالفرح غير قابل للتصديق. "لم يصدّقوا لشدّة الفرح" يقول إنجيل لوقا في التلاميذ المجتمعين حين يخاطبهم الربّ القائم من الأموات. تعوّدنا على الموت وتآلفنا مع الحزن، وتعلّمنا بالخبرة ألاّ نفرح كثيرًا لئلاّ تكون خيبتنا أعظم. وحين تجتمع القصّة الجميلة مع الخيبة المريرة، يشبه المؤمنون تلميذَي طريق عمّاوس.
ولكن إن اعتادت أذهاننا أفكار اليأس، لا يزال قلبنا يتّقد حين يسمع كلمات الحياة. الكتاب المقدّس قصّة جميلة، ولكن حين يخبرها هذا الرجل المجهول تصير أكثر من قصّة جميلة، تصير كلمات حياة. طالما الكتاب هو بين أيدينا نصٌّ للقراءة، ندرسه، نتفحّصه، نستخدمه للدفاع عن عقائدنا، يبقى قصّة جميلة. ولكن حين يكون الكتاب تحدّيًا لنا، يوبّخنا لبطء فهمنا وقلّة إيماننا، يصير لنا كلمات حياة، تأتي إلينا من حيّ، هو وحده الحيّ بيننا نحن الأموات.
تعلّمنا القصّة الجميلة ونحن أطفال. كنّا نظنّ أنّها تغيّر العالم... ولكنّنا نرى الشرّ في كلّ مكان. نراه في أنفسنا وفي محيطنا. "وكنّا نحن نرجو أنّه هو مَن سيخلّص إسرائيل". نقول: منذ ألفي سنة أتى المسيح وعلّم وشفى ومات وقام، ولكنّنا إلى الآن نرى الموت أقوى من الحياة والكذب أكثر مصداقيّة من الحقّ.
"ومع ذلك فهذا هو اليوم الثالث منذ جرت تلك الأمور." نحتار في شأن القدّيسين الذين آمنوا ونحيطهم بهالة القداسة لكي نبعدهم عنّا، كما تلميذا عمّاوس أحاطا خبر القيامة بنسوة "حيّرننا، فإِنَّهُنَّ بَكَّرنَ إِلى القَبْرِ، فلَم يَجِدنَ جُثمانَه. فرَجَعنَ وقُلنَ إِنَّهُنَّ أَبْصَرْنَ في رُؤيةٍ مَلائكةً قالوا إِنَّه حَيّ. فذهَبَ بَعضُ أَصحابِنا إِلى القَبْر، فوَجَدوا الحالَ على ما قالَتِ النِّسوَة. أَمَّا هو فلَم يَرَوه." فالقصّة الجميلة انتهت، والآن نتفرّغ ليأسنا نخفيه في اهتماماتنا ومشاغلنا. نخبر القصّة ونحتفل ونأكل الطيّبات، وبالكاد نخفي بذلك عادات الحزن المتأصّلة فينا.
إلى هؤلاء الحزانى تتوجّه كلمات الحياة: "يا قَليلَيِ الفَهمِ، وبطيئَيِ القَلْبِ عن الإِيمانِ بِكُلِّ ما تَكَلَّمَ بِه الأَنبِياء." حوّلتم الإنجيل إلى قصّة جميلة لئلاّ يستفزّ قلوبكم ويقلق يأسكم. فالرجاء متطلّب، ومتعب، ومزعج. الرجاء يعيدنا إلى الطريق بعد أن مال النهار ودخلنا البيت.
الرجاء يطالبنا بانفتاح أذهاننا لكي نستقبل كلمات الكتاب على أنّها كلمات حيّ لأحياء، لا كلمات ميت لأموات. والحيّ الذي حُكم عليه لأجل قناعاته يستفزّ خوفنا من الحكم، والذي تألّم بسبب صدقه يكشف هروبنا من الحقيقة، والذي مات في سبيل الحبّ يستهتر بعبوديّتنا المتستّرة بستار الحياة. القصّة الجميلة لا توقد النار في صدورنا، وأمّا مَن يقتنع أنّ طريق حياته هو ما كان يجب على المسيح أن يواجهه ليدخل في مجده، فهو مَن يؤمن حقًّا بأنّ المسيح قام.
عسى أن يشبه المؤمنون اليوم تلميذَي عمّاوس، فهما عرفا الربّ عند كسر الخبز، ووجداه حين احتجب عنهما، هما فهِمَا أنّ يأسهما هو الطريق الذي أخذه الربّ ليصل إليهما، فعرفا اتّقاد القلب في الصدر حين اكتشفا أنّ قصّة الكتاب هي قصّتهما. عسى أن يفهم المؤمنون أنّ تحدّيات حياتهم هي طريق المسيح الذي يمشي معهم عليه ليغلب يأسهم وينتصر على حزنهم. هب لنا يا ربّ أن نفهم الكتب لكي نجد الحياة.
الأب داني يونس اليسوعيّ