يسوع المسيح هو الخبز الّذي يبحث عن الجوع «أضواء
في العادة هو الجوع يبحث عن الخبز. نسعى إلى تلبية إحتياجاتنا ونعطي الأشياء قيمة على قدر ما تلبّي هذه الإحتياجات. يسوع ينتقد موقف الجمع: "الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكم: أَنتُم تَطلُبونَني، لا لِأَنَّكم رَأَيتُمُ الآيات: بلِ لِأَنَّكم أَكَلتُمُ الخُبزَ وشَبِعتُم." (يو 6: 26). وكأنّه يقول: أنتم لا تطلبوني للسبب الصحيح، تريدون ملكًا يشبع بطونكم ولا تعرفون جوعكم الحقيقيّ إلى كلمة الله التي خلقتكم. لهذا يضيف: "لا تَعمَلوا لِلطَّعامِ الَّذي يَفْنى بلِ اعمَلوا لِلطَّعامِ الَّذي يَبْقى فَيَصيرُ حَياةً أَبَدِيَّة" (يو 6: 27).
يحيّرنا يسوع: هل يريدنا أن نطلبه لأنّنا رأينا الآيات أم لأنّه يلبّي إحتياجاتنا؟ في إنجيل يوحنّا 4: 48 يقول: "إِذا لم تَرَوا الآياتِ والأَعاجيبَ لا تُؤمِنون؟" وحتّى الجمع الذي أشبعه من الخبز كان قد تبعه " لِما رَأوا مِنَ الآياتِ الَّتي أَجْراها على المَرْضى" (يو 6: 2). ما ينتقده يسوع هو علاقة استهلاكيّة بالله: الله هو حلاّل المشاكل، وسيلة تخدم غاياتنا. هذه العلاقة لا تثبت ولا تثمر، لأنّها ليست علاقة متبادلة، ليست علاقة حبّ. يدعونا يسوع إلى علاقة جديدة مع الله يسمّيها "الإيمان" (يو 6: 29: "عَمَلُ اللهِ أَن تُؤمِنوا بِمَن أَرسَل").
أعرف مسيحيّين كثرًا يرفضون أن يصير الله ملبّي الإحتياجات. هم نبلاء في نفوسهم، يطلبون علاقة مجّانيّة، وموقفهم ردّ فعل على مؤمنين آخرين لا يتوجّهون إلى الله إلاّ ليطلبوا ويطلبوا: نجاحًا هنا وشفاء هناك، ويريدون الله إلى جانبهم ضدّ أعدائهم، يصيرون اتّكاليّين لا يحملون مسؤوليّة حياتهم، ولا يقبلون ظروفهم.
أمّا هؤلاء المؤمنين فيريدون أن يخدموا الله لا أن يخدمهم الله. يحبّون أن يقولوا "لتكن مشيئتك"، ويتململون من "أعطنا خبزنا كفاف يومنا". هؤلاء أيضًا مدعوّون إلى التوبة. فيسوع الّذي علّمنا أن نقول لتكن مشيئتك علّمنا أيضًا أن نقول أعطنا خبزنا، وهو الّذي علّمنا أن نطلب في الصلاة وأن نلحّ في الطلب. فكيف نطلب بدون أن نجعل الله وسيلة لنا ومهربًا من مسؤوليّة حياتنا ومن واقعنا؟
لا يريد يسوع أن نتجاهل جوعنا وعطشنا، ولا أن نتناسى ضعفنا، ولا يريدنا أن نفصل علاقتنا بالله عن همومنا وإنتظاراتنا، ولكنّه يدعونا إلى عيشها بطريقة مختلفة. كلّ حيّ يحتاج إلى غذاء، وكثيرًا ما لا نحترم هذا الإحتياج فينا فنحلم بثروات تغنينا عن طلب خبزنا بالعمل وأحيانًا بالقلق، ويسوع يدعونا إلى احترام إحتياجنا لأنّه علامة على رغبتنا في الله: "كما يشتاق الأيّل إلى مجاري المياه، تشتاق نفسي إليك يا الله" (مز 42: 2).
حين أختبر المرض وأحتاج إلى المساعدة، أختبر في الوقت عينه ضرورة الحبّ للحياة، فضعف جسدي يسمح لمن يحبّني بأن يظهر حبّه في الخدمة وفي الحضور وفي الإصغاء، فبدل أن يكون إختبار المرض لعنة من السماء قد يصير مكانًا لتجلّي الحبّ.
وحتّى حين أقع في الخطيئة وأحتاج إلى غفران الله، أتعرّف إلى رحمة الله فأصير أنا نفسي أكثر رحمة. علاقة الإيمان الّتي يدعونا إليها المسيح هي نظرة جديدة إلى واقعنا تجعلنا نقبل واقعنا لا باستسلام ورضوخ بل باختيار شخصيّ، لأنّ واقعنا يكشف لنا عن إله أراد أن يصير خبزًا وشفاء، هو يبحث عن جوعنا الحقيقيّ وعن مرضنا الحقيقيّ ويجعلنا نحن أنفسنا خبزًا للجائع وتعزية للمتألّم.
أترككم أمام هذه الصورة: راهبة ساجدة أمام القربان المقدّس، ترى الرّبّ يصير غذاء يشبع جوعها إلى الحبّ، فتنطلق إلى حيث الجياع، تبني المدارس والمستوصفات، برفقة أخوات لها عرفن جوعهنّ وعرفن الخبز النازل من السماء، وبعد أن بذلن الجهود المضنية إجتمعن أمام القربان من جديد، وفهمن كيف تشبع كسرة الخبز الآلاف من الجياع، وكيف أنّ ضعفهنّ واحتياجهنّ صار قوّة للكثيرين. فصارت الراهبة أمًّا: الأمّ تريزا، وصار البشر إخوة لأنّ يسوع المسيح هو الخبز الّذي يبحث عن الجوع.
بقلم الأب داني يونس اليسوعيّ