مريم العذراء... ما لنا ولها؟ «أضواء
للعذراء مريم مكانة كبيرة في الكنيسة، أقلّه إذا نظرنا إلى المساحة الواسعة المخصّصة لإكرامها في الصلاة الجماعيّة كما في التقوى الشخصيّة. وفي العقيدة الرسميّة ما يختصّ بها (عقيدة الحبل بلا دنس وعقيدة انتقالها إلى السماء بالنفس والجسد) أو ما تشترك به مع القدّيسين (الشفاعة) وهذا يظهر للبعض مغالاة ومبالغة وللبعض الآخر غير كافٍ. ومع أنّ الكتاب المقدّس لا يخصّص لها سوى آيات قليلة، لاقت التقوى المريميّة في الكنيسة ثباتًا وحجمًا يدعوان إلى التفكير.
"ما لي ولك يا امرأة؟"
لمَ إكرام مريم؟ أليس المسيح وحده مخلّصنا؟ أليس الوسيط الوحيد بيننا وبين الله؟ أليست مريم خليقة مثلنا؟ أتحنو علينا أكثر منه، أم باستطاعتها أن تمدّنا بخلاص لا يأتي منه؟ أليس التوجّه إلى الله أفضل من التوجّه إلى قدّيسيه كما يقول صاحب كتاب الاقتداء بالمسيح؟ لا شكّ في أنّ في المسألة سوء فهم كبير أختصره في نقطتين:
1. ليس في الكنيسة عقائد مختصّة بمريم، بل هي كلّها مختصّة بالمسيح،
2. ما يُقال في مريم لا يجعلها مختلفة عنّا بل على العكس هو يخبر عنّا نحن
سأحاول أن أظهر ذلك ثمّ أقترح فهمًا جديدًا لعلاقتنا بمريم.
"حياتي هي المسيح"
ليس الإيمان المسيحيّ قائمًا على عقائد، بل هو "إنجيل" أي خبر سارّ، قصّة تعيد الإنسان إلى الفرح الذي خُلق لأجله، وهذه القصّة التي يرويها الكتاب المقدّس تصير لِمَن يؤمن بها قصّته الخاصّة وتحوّل حياته ليصير إنجيلاً حيًّا بين البشر. والقصّة هي قصّة حبّ الله تجاه البشر، حبّ يرتطم بقساوة القلوب ويعمل على تحويل هذه القلوب حين يكشف لها عن قساوتها.
والحبّ لا نعرفه "بالكلام أو باللسان" بل نعرفه بما صنعه الله لأجلنا في المسيح. قصّة يسوع قادرة على تحويلنا كما حوّلت تلاميذه، ثمّ تلاميذهم، فتلاميذ هؤلاء وصولاً إلينا. ولكنّ قساوة القلب (نسمّيها أيضًا الخطيئة) تقاوم هذه القصّة وتحاول تهميشها.
ما العقائد إلاّ ضوابط، لتؤكّد حقيقة القصّة! قالوا: ليس المسيح مساويًا للآب في جوهره، والنتيجة أن نبقى أسرى حزننا القديم لأنّ ليس لنا مشاركة مع الله، ولكنّ الرسل وعدونا بأن نمتلئ بكلّ ما في الله من كمال (بولس)، وأنّنا شركاء الطبيعة الإلهيّة (بطرس)، فقلنا: المسيح هو الله المتجسّد! غاية العقائد، كلّ العقائد، حفظ الإنجيل من الكذب.
والعقائد التي تذكر مريم العذراء تقوم بالدور نفسه. حين ألقت عليها الكنيسة لقب والدة الإله (في القرن الخامس)، لم تقل إنّها والدة الطبيعة الإلهيّة، ولا إنّها من طبيعة مختلفة عنّا، بل قالت إنّ مَن ولدته، وهي خليقة، هو خالق الأكوان. فالكلام عن المسيح، وما إكرامها باللقب إلاّ تسبيح للخالق الذي يجعل من خليقته بيتًا له. وهذا ما يصنعه الربّ فينا أيضًا: فهو يُولَد فينا أيضًا ويسكن فينا ويعمل فينا كلّ عمل صالح على قدر ما ننفتح على كلمته. فما تمّ في مريم مسبقًا يتمّ في كلّ واحد منّا، ولكن لاحقًا.
وحين أعلنت عقيدة الحبل بلا دنس، ومعناها أنّ مريم مُفتداة من خطيئة البشر منذ الحبل بها، وافتداؤها يأتي من الصليب وإن استباقًا، أرادت الكنيسة أن تؤكّد أن لا خلاص إلاّ بنعمة المسيح، فكيف للإنسان أن يقبل الله بدون النعمة؟ وكيف لمريم أن تكون ممتلئة نعمة من قبل افتدائها؟ فعقيدة الحبل بلا دنس هي تخصيص الخلاص بالصليب والقيامة، التي بعدها قَبِل الرسل الروح القدس، وهو الذي صوّر المسيح في حشا مريم مسبقًا ويصوّره في داخلنا الآن وحتّى اكتمال افتدائنا.
وهذا نفسه المقصود بعقيدة انتقال العذراء إلى السماء بالنفس والجسد: فقيامة الأجساد هي ثمرة قيامة المسيح، وهي تكتمل فينا كلّنا حين يكتمل عمل سرّ الفداء في العالم، كما يقول القدّيس بولس: "ونحن الذين لنا باكورة الروح نئنّ في داخلنا منتظرين التبنّي أي افتداء أجسادنا" (روما 8). فقيامتنا الشاملة (بالجسد والنفس) هي عمل المسيح، وقد اكتملت في مريم مسبقًا كما تكتمل فينا لاحقًا. وأمّا العقيدة فتخبر عن المسيح أصلاً وعن مريم بشكل متفرّع.
ليس في الكنيسة عقيدة تؤكّد بتوليّة مريم الدائمة، بل هذه البتوليّة هي موضوع تقليد قديم، أنا شخصيًّا لا أشكّ فيه، ولكنّه غير أساسيّ للإيمان، لأنّه لا يغيّر شيئًا في قصّة الخلاص. مَن يدافعون عن تقليد بتوليّة مريم "حفاظًا على كرامتها" لم يفهموا شيئًا من الكتاب المقدّس، فالله لم يخلق شيئًا نجسًا والنشاط الجنسيّ لا ينقّص من كرامة الإنسان ولا يعارض قداسة الله، فتقليد بتوليّة مريم الدائمة، وإن لم يكن بمستوى العقيدة، يقول شيئًا لا عن الجنس وعن البتوليّة، بل عن التكرّس: مريم هي الإنسان حين تكتمل فيه حياة الله، هي استباق حالنا في الملكوت، حيث الرجال والنساء لا يتزوّجون، كما يقول الربّ. ومع ذلك، فحتّى لو كان ليسوع إخوة من أمّه، لا ينتقص ذلك من الخلاص الذي أتى به، ولا من كرامة أمّه، شيئًا.
"هذه أمّك"
يبقى أن نفكّر في دور مريم في حياتنا. فطلبة العذراء تطلق عليها ألقابًا مختلفة: "سبب سرورنا، ملجأ الخطأة، معونة المسيحيّين..."، والتقوى المسيحيّة تلتجئ إليها وتطلب إليها الإبتهال لأجلنا وتسألها الحماية، وما هذا التوجّه إلى مريم وسواها من القدّيسين سوى ثقة حميمة وعميقة بقيامة المسيح التي تجعل الذين سبقونا في هذه الحياة أحياءً عند الله بحياة المسيح نفسه.
ولكن ما المنطق الذي يسود التوجّه إلى القدّيسين؟ أهم أقرب إلينا من الله؟ أحبّهم لنا يفوق حبّه أم قلبهم يرقّ لنا دون قلبه؟ هذه تعابير بشريّة مصدرها جهلنا بحكمة الله وتدابيره. وليس لنا إلاّ تعابير بشريّة تحتاج إلى تمييز مستمرّ لكي لا ننقلب إلى قساوة قلبنا القديمة. وأقترح هنا ثلاثة سبل لفهم دور مريم في حياتنا الروحيّة عسى أن تفتح للقارئ باب الفرح كما فعلت مع الكاتب، وإلاّ عساه يقترح ما هو أفضل منها.
1. "غمامة من الشهود": مريم والقدّيسون بشر تروي حياتهم قصّة يسوع، فهم إنجيل حيّ أقرأ فيه كما أقرأ في الكتاب المقدّس وكما أقرأ مجد الله في السماوات (المزمور 19). إنجيل لوقا يعطي الطوبى لمريم لا لأنّ بطنها حمل المسيح، بل لأنّها سمعت كلام الربّ وعملت به، ويعطيها الطوبى لأنّها آمنت بما سمعت من الربّ، والرسالة إلى العبرانيّين (الفصل 11) تروي قصص شهود كثيرين حوّل الإيمان حياتهم فصاروا لنا غمامة من الشهود نتقوّى بذكراهم لكي نسير كما ساروا. وبما أنّ ما تمّ في مريم بشكل سابق يتمّ فينا بشكل لاحق، فمريم (والقدّيسون بشكل لاحق) وعد لي بأنّ ما تحقّق فيها يتحقّق بالنعمة فيّ أيضًا، وأنّ نعمة الله قادرة على تحويل قلبي.
2. "أسأل الآب أن يهب لكم...": نحن مرتبطون الواحد بالآخر في شركة القدّيسين، قادرون على قبول الله الواحد من أجل الآخر، وإلاّ فما معنى أن يدعو بولس من أجل المؤمنين أو أن يسألهم أن يدعوا الله من أجله؟ سرّ الشفاعة له جذور عميقة في الكتاب (إبراهيم، موسى، صموئيل، إيليّا، أيّوب، ...) وهو تدبير الله نفسه ليكون الناس "بأجمعهم واحدًا".
فالله يريد أن يعطي النعمة أكثر ممّا نريد نحن أن نتلقّاها، وما طلب النعمة من جهتنا سوى تحضير داخليّ لقبول النعمة، لا محاولة لإقناع الله. وكذلك طلب الشفاعة هو تحضير لنيل النعمة، هو التزام بمَن نتوجّه إليه، كما يقول النبيّ عن شعب الله أنّ الأمم تمسك بثوبه قائلة: "نريد أن نسير معكم فقد علمنا أنّ الله معكم" (زكريا 8: 23). فمَن طلب شفاعة قدّيس سار معه لينال نصيبه.
3. "هذه أمّك": لا شكّ في أنّ إنجيل يوحنّا هو أعمق مَن تكلّم عن "أمّ يسوع". يظهرها وكأنّها مُعَدَّة من الله لساعة انتقال يسوع، فهي حين تكلّمه في بداية الإنجيل عن نقص الخمر في عرس قانا يتعجّب: "لم تأتِ ساعتي بعد"، ونفقد أثرها في الإنجيل إلى أن تأتي الساعة، إذّاك يسمّيها الإنجيليّ "الأمّ" ويسوع لا يتعجّب من رؤيتها بل يقول لها عن تلميذه: هذا ابنكِ، وله يقول هذه أمّك، ومنذ تلك الساعة أخذها التلميذ إلى بيته.
مَن اعتاد على قراءة يوحنّا يعلم أنّ هذه التفاصيل لها مدلول كبير. فالصليب هنا خلق جديد، منه تنشأ الكنيسة ويُعطى الروح القدس مثل أنهار حيّة متدفّقة من جنب يسوع المطعون. وباكورة الكنيسة هي في هذه العلاقة الجديدة بين تلميذ يسوع وأمّه. فلنخرج إذًا من العلاقات النفعيّة ومن السؤال عن قيمة توجّهنا إلى مريم والقدّيسين ولنستقبل في بيوتنا وقلوبنا أمًّا وإخوة وأخوات، هم الذين يعملون مشيئة أبينا الذي في السموات.
الأب داني يونس اليسوعيّ