لماذا أصلّي؟ «أضواء

 

 

 

الصلاة أساسية وتعطي معنى لحياتي، تحقّق حياتي، وبدونها الإنسان كمشة تراب لا معنى لحياته. أنَّ أرفَعَ مستوى للصلاة هو صلاة العبادة، التأمل بالله وبمخلوقاته فنتحوّل لنصير على صورته من التراب الى النور.

تعوّدنا على الصلوات الشفهية، أي ترداد صلوات لم نعملها نحن، كلمات ليست كلماتنا، أحياناً نردّد ولا نفهم، أحيانًا أخرى نردّد وأفكارنا في مكان آخر، نعطي وقتًا نردّد صلوات ولا نعيش مفاعيلها.

بينما الصلاة العقلية مختلفة: لمّا سأل التلاميذ يسوع: علّمنا أن نصلّي، علّمهم صلاة الأبانا. نفهم اذاً أولاً: أنّ الصلاة نتعلّمها. ثم قال: متى صلّيتم. الصلاة لها وقت.
إذًا لا يكفي أن أصلي وأنا أعمل وأنا في سيارتي، هذا تحضير لحضور الله في حياتي، لكن مِنَ الضرورة أن نخصّص وقتًا للصلاة. ثم قال يسوع: أبانا. أي أنّ الله هو أبٌ للجميع: شراكة بيني وبين كلّ مَن يصلّي الأبانا في أي مكان في العالم. ثم تابع صلاة الأبانا. نلاحظ تسلسلاً وأولوياتٍ ونتيجة. أنا أصلّي لأعيش صلاتي، صلاتي تصير حياتي وليست فروضًا وواجبات.

لماذا أصلّي؟ لثلاثة أسباب.

1 - نحن مخلوقات طبيعيّة، خلقنا الله ودعانا لهدف فائق الطبيعة يفوق طبيعتنا، وهذا نستمده منه بالصلاة. أخذ النعمة من الله التي تحوّلني إلى الهدف الذي خُلقتُ من أجله. أصلي، أترجّى je prie، نشحذ النعمة من الله. والله يعطيني إيّاها بمبادرة منه ودون أن أستحقها. نقول أحياناً أنّ الله يعرفنا ويعرف ما نريد، فلماذا نطلب؟ نطلب لأننا سنأخذ ما ليس لنا، نترجّى الله ليعطينا ما ليس في طبيعتنا، نطلب النعمة التي تأخذنا وتحوّلنا من هذه الطبيعة الساقطة إلى الطبيعة الفائقة.

2- ثانيًا أصلي بسبب ضعفي البشري، الشغف البشري، الغرائز، الكسل، الطمع والشهوة، لا أستطيع أن أتحكّم بالغرائز دون الصلاة. أصلّي لأتغلّب على ضعفي، "ضعفك لتتغلب عليه وليس لتتحجّج به". أتواصل مع الذي هوَ أقوى منّي، فأصلّي.

3- ثالثاً أصلّي لأستطيع أن أواجه تجارب الشرير. الشرير ماكر، محتال، ذكي وكذاب. ولأستطيع أن أتعاطى مع مكرِهِ وكذبِه، أنا بحاجة للنور الإلهي لكي أفهم وأميّز. الشرير يحتال علينا كلّ يوم ويرينا الخطيئة بصورة الفضيلة، فبدون الصلاة نقع. والشرير لا يستطيع أن يجرّب أحدًا أكثر من طاقته، وهذا لا يعني أنّ عندي الطاقة اللازمة، فأنا مدعوّ لأُكبِّر هذه الطاقة الروحية مدعوّ لأُكبِّر قدراتي لمواجهة كل التجارب. والذي لا يصلي هو جاهل لا يدري أين يسير.

إذاً هناك صلاة شفهيّة وصلاة عقليّة.
الصلاة الشفهية هي خبرة آخر، أتبنّاها، أردّدها أحياناً كالببغاء دون أن أفكّر بها، وهذا ليس بنافع، وأحياناً أُعَقلِنُها، أفكّر بها فتتحوّل إلى صلاة عقليّة تأملية، أترجِمُها بما أعيش وأعبّر بها صلاتي لله.
أمّا الصلاة العقلية، فهي خبرتي الشخصيّة، أتوجّه بكلمات صادرة منّي بفعل النعمة التي فيَّ، من علاقتي الشخصيّة مع الله، دون أن أستعين بخبرات آخرين. هذه الصلاة يحبّها الله لأنها تصير خبرتي الروحية. إذاً، أي صلاة أصلّيها عليّ أن أفكّر بما أقول، ولا نتلو كلمات وكلمات لا نفكر بها.

بأي ظرف من ظروف حياتكم صلّيتم أعمق الصلوات؟ الجواب عند الألم. فهناك رابط بين الألم والصلاة. ما سرّ هذا الألم، ما هو سرّ الصلاة والصليب؟.
طبيعة الانسان طبيعة ساقطة، لن تعرف الفرح الحقيقي إن لم تمرّ بالصليب.

نحن بشر، نحمل جراحًا كثيرة، نحمل الخطيئة وهي مصدر ألم وحزن وإحباط، فعند أي ألم، ألتجىء الى الصلاة. إن لم ألتجىء الى الصلاة فألمي سيسحقني، وإن التجأتُ إلى الصلاة، ممكن أن تأخذني نوعية صلاتي إلى عالم وهمي، أخلقه لذاتي، أرتاح فيه، فتصير الصلاة مخدّرًا وهذا ليس بالشيء الجيّد، هذا ما سمّوه أعداء الكنيسة بأفيون الشعوب. لكن إن فهمتُ جيدًا ما هي الصلاة، دخلتُ في عمقها، أحصل على نعمة من الله، أتغلّب على ألمي، أتغلب على محنتي، أتخطّى الآلام بقوّة روحية.

قال لنا الرّب يسوع، أن نحمل صليبنا كل يوم ونتبعه، وفي نفس الوقت قال أنّ حمله خفيف ونيره هيّن. كيف أوفّق بين الصليب والسلام الداخلي والفرح الذي لا يقدر أحد أن ينتزعه منّي؟

بالصلاة. عَمَلُها هو تسكير الهوّة. نحن اليوم في عالم كلّ واحد ينظر الى آخر ويريد أن يعيش حياته وخبرته. لكنّ المطلوب أن أهتم بدعوتي الشخصيّة. ماذا يريد الله منّي أنا.
لهذا فقط بالصلاة الحقيقيّة العميقة أُدرك وأكتشف أنّ يد الله في كلّ ما أعيش، أفهم دعوتي، أحصل على النعمة وأُطيع كما فعل يسوع، أقبَل، لأُتابع وأحقّق هذه الدعوة في قلب الألم والمحن.
هكذا نعيش السلام في قلب الصليب.

نعمل مصالحة بين الصليب ودعوتنا للقداسة، فيصير الألم مقدسًا. وهكذا كلّما عشنا محنة معيّنة نتقدم روحيّا نحوَ القداسة. وقمّة المِحَن الروحية هي الشوق للإتحاد بالله وعدم القدرة على تحقيق هذا الشوق، فيقدّسنا ألم هذا الشوق. كما تقدّس القديس شربل. وكل القديسين اختبروا الإتحاد العميق بآلام يسوع، فيصير الألم خلاصيًا نشارك به الربّ، كما قال القديس بولس. هذه هي صلاة حقيقيّة عميقة. في هذه المرحلة نتذوّق طعم الفرح الحقيقي العميق للصلاة الحقيقيّة.

إذاً بعلاقتي مع يسوع، أركّز في صلاتي، أجتهد لكي لا أتشتّت، وأبني قداستي حَجَرًا فوق حَجَر. بعمق، بإحتراف لأشارك يسوع بما عاشه لخلاص البشر. لهذا، الصلاة العقلية والتأملية هي التي صنعت القديسين، وقد قالت القديسة تريزا الافيلية: لا قداسة بدون الصلاة التأملية العقلية.

فلننتبه إلى نوعية صلاتنا، لا نخاف، الله يعمل بكل وقت. حتى ولو كنتُ اليوم أردّد كلمات لا أقف هنا، بل أحاول، أتقدّم وأذهب أبعد وإلى الأمام. ولا نهرب من الواقع، بل نفتّش عن تحقيق دعوتنا في كلّ ما نواجه في هذا العالم.

فبالصلاة أتعرّف على ذاتي وأتعرّف على الله وأكتشف دعوتي. ولننتبه أيضًا إلى كلّ ما يثقل علينا في هذا العالم، فمع كلّ هذه الاثقال والأحمال لا نقدر أن نرتفع، فلننزع عنّا خطايانا، تعلّقاتنا، ضعفاتنا، لنقدر أن نرتفع. القديس شربل بطلٌ في هذا الموضوع، فكّك كل شيء إلى أن طارَ. وهذا التفكيك والتخلي هوّ الألم.

السؤال: "كيف أصلّي، ما هي نوعيّة صلاتي اليوم، وما هو المقصد الجذري الذي سآخذه؟ هل سأخصص وقتًا، هل سأدخل في نوعية صلاة وشراكة مع يسوع، فآخذ النعمة، أعي مسؤوليتي، أفهم دعوتي وأسعى لتحقيقها؟"

موقع عيلة مار شربل