القديس يوسف شفيع الكنيسة وحارس العائلة المقدسة: «أضواء

يوسف البتول والنجار هو إبن يعقوب بن ماتان من نسل داوود الملك وابراهيم أب المؤمنين من بيت لحم، من سبط يهوذا.. يوسف... شاب في مقتبل العمر... إختاره الله بين جميع رجال اسرائيل لأعظم رسالة على الأرض. دبّر الله في مخططه الخلاصي أن يكون يوسف حافظاً للطفل يسوع وأمه مريم، قد أراد بمشيئته أن يُودع عائلته الكبيرة في العالم لهذا البارّ ( كلمة بار تعني المطيع لوصايا الله، مستقيم، إنسان خلاق) لكي يحفظها ويقودها لمعرفة الحقّ كلّه.. فهو يخاف الله.. ولا يعرف سوى الصدق والعطاء..

فيوسف البسيط وجد نفسه ذات يوم أمام السرّ الذي انحنى الرسول أمامه قائلاً : عظيم هو سر التقوى، الله ظهر في الجسد" ( 1 تي 3: 16) وهو السرّ المكتوم منذ الدهور في يسوع ... نعم كان هناك الإيمان بالمسيا... الذي يحلم به اليهود، وكانت تتمنى كل عذراء يهودية أن يأتي المسيح منها لتطوبها جميع الأجيال..

كان من السهل التصور أمّ المسيا تقول: " كيف يكون هذا وأنا لا أعرف رجلاً"( كلمة المسيا تعني المسيح.. وهي كلمة يونانية - "لوجوس" - يعني العقل والمنطق والفهم ، وهى تعني العقل الإلهى الذاتي، الذى بدونه لم يكن شيء فى الوجود، وقد كانت نبوءات العهد القديم تتكلم عن المسيا أي المسيح، وكان الناس -آنذاك- ينتظرون مجيئه....) فماذا يمكن أن يقول الرجل الذي لم يرَ الرؤيا ولم يسمع صوت الملاك ؟

كان صعب على هذا الرجل رغم فقره، والذي كان على إستعداد أن يعيش "باراً " شريفاً أمام الله والناس، وهو لا يتردد في طاعة صوت الله وشريعته.. هذا السر يفوق العقل.. لكن رغم ذلك لم يتفوّه بكلمة مع مريم ولم يسىء الظن بها مطلقاً.. وقرر أن يطلقها سرًا دون أي ضجة تلحق بها الضرر، لأنه بحسب الشريعة اليهودية إذا عرف أحد بسرها تنال مريم عقوبة الرجم حتى الموت، لكن يوسف لم يفعل ذلك لأنه البار ... الصدّيق .. فقد كان ستّاراً لعفافها وشرفها.. فهو المثل الأعلى لجميع الرجال على الأرض .. لأنه جمع في شخصه وحياته أسمى وأكمل الفضائل.. الذي لم يتحلَّ بها إنسان في هذه الدنيا..

فالكتاب المقدس لم يذكر لهذا القديس العظيم كلمة قد خرجت من فيه... بل كان صمته وكماله، وجمال نفسه، وبديع صفاته، وسمو فضائله، مع بساطة حياته، اروع تعليم لنا... كان يوسف ملاكاً حارساً لمريم، والحافظ الأمين لطفولة يسوع... لقد امتاز القديس يوسف بإيمانه الحي الذي فاق كل إيمان، وبتواضعه العميق، وبثقته التي لا حدّ لها بالله.

لم يذكر الإنجيل القديس يوسف كثيراً... لكننا نستخلص نحن من عيشنا الإنجيل ونرى إيمان هذا الرجل الذي ظهر حياً في الحوادث التي رافقت حبل خطيبته وولادتها ابنها الإلهي... ربىَّ يسوع، وكان حارسه الأمين من اضطهاد هيرودس، وخلال تهجيرهم إلى أرض مصر .

ففي ذلك كلّه لم يضعف إيمان يوسف بقدرة الله، وهذا الإيمان الحي كان يرافق به محبته ليسوع، وينير طريقه في حياته الروحية... فبتواضعه.. تعلّم من مريم ويسوع ان لا ينظر الى ذاته، ولا يتعالى بنفسه على أحد...

كان من سلالة ملوك يهوذا، ومع ذلك لم يغضب لِما ناله من الحقارة والفقر. كان أباً ومربياً ليسوع ومع هذا لم يرفض أن يشتغل بيديه، ويتعب ليل نهار، ليستطيع العيش مع مريم وإبنها يسوع. كان الحارس للربّ الذي تنتظره الأجيال منذ ألوف من السنين، ومع هذا كله بقي صامتاً، متواضعا، لا يبوح بسرّ يسوع ومريم ولا بسره لأحد. نراه يتذلل للناس ويخدمهم لكي يكسب معيشته، كاتماً عنهم أمر الطفل، الذي يعيش معه ويشاركه مائدته وحجرته، وهو رب المجد ومخلص العالم والمسيح المنتظر.

حلم يوسف بالسعادة والعيش الكريم مع شريكة حياته كباقي الرجال .. ووعدها كسائر المحبين المقبلين على الزواج بالأمانة والاخلاص والعيش بمشورة الرب ومخافته مدى العمر.
يوسف، الصدّيق والبار ... لم يخطر على باله يومًا أن مريم خطيبته ستكون أم المخلص المنتظر ، وأن الملاك جبرائيل قد حمل اليها البشارة ، رغم كونه متعمقا بكل ما جاء في الكتب المقدسة عن المسيح المنتظر وعن كيفية مجيئه وما قيل عنه في سفر اشعيا النبي: هوذا العذراء تحبل وتلد ابنا.( اشعيا 7: 14).

فكان ينتظر الخلاص من الله شأنه شأن جميع الناس الذين كانوا ينتظرون بفارغ الصبر رسولًا من السماء ينعش ويعيد روح الله في قلوب البشر أجمعين .. لم يتركه الله طويلا في حالة الشك والإضطراب.. بعد البشارة.. فارسل له الملاك في الحلم وأخبره حقيقة مريم وأفهمه بأن الرب اختاره هو أيضا ليحمل أعظم مسؤولية، ويكون أبا ومربيا لإبنه يسوع ، من دون تأثير على حريته أو الضغط على قراره . استيقظ يوسف من نومه مستعداً لخدمة الله ، فهو الشخص الثاني للعذراء في الحفاظ على يسوع....ورعايته وحمايته حتى يصل الى الجلجلة لخلاص العالم.

مع أن يوسف كان من نسل داود، لكن الأيام قد دارت به وببيته العظيم حتى وصل على ما هو عليه من ضيق وفقر....لكنه أدرك أن مجده عاد ليختلط بمجد لم يعرفه داود ولا أحد من نسله من ملوك وأبطال... وهو مجد المسيا في هذا الصبي الذي كان عليه أن ينسبه إليه .. وهو المخلص... كان هو حاضن " المسيا" ومربيه وقد فاز بيته الفقير بهذا الشرف الرفيع الذي لم يمنح لأصحاب القصور في الأرض !!....

إرتبط اسم يسوع بالرجل البار في السجلات الرومانية ، وفي الحياة البيتية، لقد وضعته العناية ليكون بمثابة الأب الأرضي للفادي.. مع أنه لا يعرف إلا أباه السماوي حين قال ليوسف وأمه وهو في الثانية عشر من عمره : " لماذا كنتما تطلبانني ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون في بيت أبي "... إنّ هذين الحدثين في حياة القديس يوسف يشكلان جزءاً أساسياً في سرّ التجسد الإلهي... كان وجود القديس يوسف من مخطط الله في التدبير الخلاصي، لأنه بحضوره حفظ شرف مريم وحماها.

عندما أدرك يوسف مقاصد الله وتدابيره من الملاك استجاب للرب.. وآمن بالسرّ الكبير وقَبِل المهمة التي كلّفه بها الله أن يكون أمام المجتمع الأب الشرعي ليسوع الذي كان الجميع يسمونه بإبن النجار...

نذر يوسف حياته كلها مضحياً بكل ما لديه للعناية بيسوع وبأمه مريم... أحبّهما من كل قلبه لذلك استحق أن يموت ميتة صالحة... فقد رقد بالربّ بين يدي يسوع ومريم... ولما بدأ يسوع بالبشارة.. صار اليهود يتساءلون ويقولون: "أليس هذا ابن يوسف"؟ فمتى كانت وفاة يوسف؟ لا أحد يعلم. انما مات لما انتهت رسالته.. ولما جاءت الساعة التي انتقل هذا القديس البار..الشيخ يوسف النجار.. والذي استحق أن يدعى أبا للمسيح بالجسد...

هذا الذي شهد عنه الإنجيل أنه كان صدّيقًا وإختاره الله ليكون خطّيبًا لمريم العذراء .. فلما أكمل طريقه بجهد وتعب مع مريم والطفل يسوع بمجيئه بهما من بيت لحم إلى أرض مصر، وما قاساه من اليهود، وعندما جاءت ساعة موته حضر يسوع نياحته ووضع يده على عينيه وبسط يديه واسلم الروح.

هذا هو يوسف الذي قبل على نفسه أن يبقى عند الناس منسياً، لكي يكون بكل قواه الروحية والجسديّة لخدمة الله وخدمة ابنه ومريم أمه. لأنه كيف يمكنه أن يرى ابن الله، وقد "أخلى ذاته آخذاً صورة عبد"، ويسعى هو إلى الظهور والمجد الباطل؟ لا... ليس يوسف من يعمل هذا ...! لأنه هو حقاً مثال الوداعة والتواضع... فما من حب أعظم من هذا.....! هذا هو يوسف الذي ضرب أروع مثال في التضحية والعطاء ونكران الذات... يكفيه شرفاً وفخراً وهو الرجل المتواضع المختفي أن يكون قد ساعد بالتعاون مع مريم ابنه يسوع الى كمال الرجولة من خلال تربية متكاملة الجوانب كأي إنسان...

هذه كانت رسالة يوسف وتضحيته العظمى .. فهل نجد اليوم أمثال يوسف ... ؟؟ حتى من بين المكرسين للرب ...!!! وعرفوا حقا معنى التضحية وذاقوا طعم التجرد ونكران الذات لأجل خلاص النفوس...؟ لا.. لا أظن أنه يوجد إنسان كالرجل البار...الذي كان أول من ظهر على مسرح الإنجيل ليربط الرحمة بالعدل ، والشدة بالمحبة.... وعقله يفوق كل عقل بالسماحة والرقة والحنان واللطف...!! مريم العذراء قالت " نعم " دون أن تفكر في خطيبها وتخاف منه ليعرف الحقيقة.. فلقد قدمت ذاتها وأطاعت بكلمة " نعم"... وخضعت للروح القدس... ولكن يوسف بحلم في الليل.. حوّل القلق إلى راحة، والخوف إلى أمن والشك إلى يقين، والحزن العميق إلى فرح....

عظمة هذا القدّيس أنه أعطى الخبز اليومي ليسوع، الذي هو الخبز الحقيقي النازل من السماء طوال السنوات التي عاشها في بيت الناصرة معه ومع أمّه مريم.

القدّيس يوسف لم يشترك بطريقة جسدية في سرّ التجسّد إلاّ أنّه شارك كليّاً في تضحيته وتربيته وحفاظه على يسوع ومريم... "يا يوسف بن داوود": هذا ما نراه في الإنجيل المقدس، عندما قالت العذراء مريم ليسوع، إبنها، في الهيكل : "يا إبني، لماذا فعلت بنا هكذا...؟ فأبوك وأنا تعذّبنا كثيرًا ونحن نبحث عنك... "(لوقا۲ - ٤۸ ).

هنا نرى أنّ العذراء مريم تدعو القدّيس يوسف باسم أب.. وهذا برهان كافي على أن يسوع أيضاً كان يدعوه "أباً" و ذلك لأن حضور يوسف مع الإبن.. هو بمثابة حضور حقيقي لأبيه السماوي .

أي حارس وأي شفيع قد أعطى الله للكنيسة؟

فإذا كانت مريم قد صمتت أمام الملاك وقالت " ها أنا أمةّ للرب، فليكن لي بحسب قولك".... أيضاً القديس يوسف صَمت أمام الملاك في الحلم عندما قال له: "لا تخف أن تأخذ مريم إمرأة لك، فهي حُبلى من الروح القدس" (متى۱ /۲۰ ). يدهشنا فعلاً إنكار الذات العميق في حياة كل منهما نحو الآخر، فإننا نراهما شريكين في الألم والفرح، وفي الإحترام والقداسة.. فقد إشتركا معاً لقبول الروح القدس.

فبعد العذراء مريم لم يقترب أحد إلى الله أكثر من القدّيس يوسف، وذلك بحكم وجوده كزوج بتول لمريم العذراء وابٍ بتول للرب يسوع.

قداسة يوسف إذاً تندرج مباشرة بعد قداسة العذراء مريم. فالله يعطي النعمة لكلّ واحد بحسب الرسالة الموكلة إليه. وكلّ رسالة إلهية تحتاج إلى قداسة متميزة... الذي حفظ، بالحبّ والتسليم الكليّ لعمل الله الخلاصيّ، الوديعة الموكلة إليه بالأمانة الكاملة.

إن قداسة البابا بيوس التاسع أعلن القديس يوسف شفيعاً للكنيسة الجامعة الرسولية في المجمع الفاتيكاني الأول بتاريخ 8 كانون الأول عام 1870. هذا القلب الذي استطاع أن يحب ابن الله كإبن له والعذراء أم الله كزوجة له في استطاعته من دون شك أن يحب الكنيسة عروسة المسيح ويأخذها تحت حمايته ويرعى أبناءها.

هنيئاً لك أيها القديس يوسف، يا من كنت حارساً للفادي وحافظاً للبتول مريم... نسألك أن تسهر على مسيرتنا نحو يسوع .. ساعدنا لنحيا مثلك دائماً في حضرة يسوع ومريم. إشفع بعائلاتنا وأولادنا وكنيستنا، وتشفع لكل واحد فينا حتى نصل مع يسوع الى الجلجلة... إجعلنا نتشبه بك بالقول والعمل لنصبح جميعنا ... يوسف البار... فيا حارس الكنيسة المقدسة... صلِّ لأجلنا....!

ريما سابا - كنيسة العائلة المقدسة