الحكمة هي عمل الروح القدس فينا لنرى كلّ شيء بعيني الله! «أضواء
أجرى قداسة البابا فرنسيس صباح اليوم الأربعاء مقابلته العامة مع المؤمنين في ساحة القديس بطرس بالفاتيكان واستهل تعليمه الأسبوعي بالقول: نبدأ اليوم سلسلة تعاليم جديدة حول مواهب الروح القدس. أنتم تعرفون أنّ الروح القدس يشكّل القوة الحيوية للكنيسة ولكل فرد مسيحي: إنه محبة الله التي تجعل من قلبنا مسكنًا له ويدخل في شركة معنا. الروح القدس يقيم معنا دائمًا، ويسكن فينا، في قلوبنا.
تابع الأب الأقدس يقول: إنّ الروح القدس هو عطية الله بامتياز (راجع يوحنا 4، 10)، إنه هدية من الله وهو ينقل بدوره لِمَن يقبله مواهب روحية عديدة. تحدّد الكنيسة سبع مواهب، وهو عددٌ رمزيٌّ يشير إلى الملء والكمال، إنها المواهب التي نتعلمها خلال الإستعداد لسرّ التثبيت والتي نلتمسها في صلاة "إستمداد مواهب الروح القدس" وهي: الحكمة والفهم، المشورة والقوة، العلم والتقوى ومخافة الله.
أضاف الحبر الأعظم يقول: أول موهبة للروح القدس بحسب هذه اللائحة هي الحكمة. ولا يقصد بها الحكمة البشرية فقط، لا ليست الحكمة ثمرة المعرفة والخبرة. يخبرنا الكتاب المقدس أنه عند تتويج سليمان ملكًا على إسرائيل، سأل الله أن يمنحه نعمة الحكمة. إنها نعمة القدرة على رؤية كل شيء بعيني الله. إنها ببساطة رؤية العالم والحالات والمشاكل وكل شيء بعيني الله. وهذه هي الحكمة. أحيانًا نرى الأشياء كما نريد وبحسب الحالة التي يعيشها قلبنا: بحُبّ أو كراهية، بحسد... وإنما هذا ليس من خلال عيني الله. لأنّ الحكمة هي عمل الروح القدس فينا لنرى كلّ شيء بعيني الله!
تابع البابا فرنسيس يقول: تأتي هذه العطيّة من العلاقة الحميمة مع الله، من علاقة الأبناء مع الآب. وعندما تقوم هذه العلاقة يمنحنا عندها الروح القدس موهبة الحكمة. عندما نكون في شركة مع الرب يتجلّى الروح القدس في قلبنا ويجعلنا نشعر بدفئه ومحبته. وأضاف الأب الأقدس يقول: إن الروح القدس يجعل المسيحيّ "حكيمًا". ولكن ليس بمعنى أن لديه جوابًا لكل شيء ويعرف كل شيء وإنما بمعنى أنه "يعرف" الله، يعرف كيف يتصرّف الله ويعرف أن يميّز ما هو من الله، والحكمة التي يمنحها الله لقلوبنا.
وبهذا المعنى يمكن القول أنّ الإنسان الحكيم يحمل في قلبه نكهة الله. كم تحتاج جماعاتنا لمسيحيين بهذا الشكل! كل شيء فيهم يتحدث عن الله ويصبح علامة جميلة وحيّة لحضوره ومحبته. وهذا أمر لا يمكننا ارتجاله أو منحه لأنفسنا: إنه عطية يمنحها الله للذين يطيعون الروح القدس.
نحن نحمل الروح القدس في داخلنا وفي قلبنا، يمكننا أن نصغي إليه كما ويمكننا أيضًا أن نتجاهله. إن أصغينا له سيعلّمنا طريق الحكمة هذه وسيمنحنا حكمة أن نرى بعيني الله، ونسمع بأذنيه ونحب بقلبه، ونحكم على الأمور بحكمه.
هذه هي الحكمة التي يمنحنا إيّاها الروح القدس وبإمكاننا جميعًا أن ننالها، يكفي أن نطلبها من الروح القدس. لكن فكِّروا بأمّ في منزلها مع أولادها وعليها أن تلاحقهم من جانب إلى آخر في المنزل وتتابع مشاكلهم وعندما تتعب هذه الأم تصرخ على أبنائها فهل هذه حكمة؟ ماذا تقولون؟ لا! لأنّ الحكمة هي عندما تأخذ الأم ولدها وتوبّخه بلطف شارحة له بصبر التصرف الصحيح، هذه هي حكمة الله، وهذا ما يمنحنا إيّاه الروح القدس.
أو في الزواج على سبيل المثال، قد يتشاجر الزوجان وبعد الشجار قد لا ينظر الواحد في عينيّ الآخر وإن نظر قد تكون نظرة وجه مقطّب فهل هذه حكمة الله؟ لا! لأنّ التصرف الحكيم يفترض أن يقول أحدهما للآخر: "انتهت العاصفة لنتصالح!" ويعاودا السير قدمًا بسلام...
ختم البابا فرنسيس تعليمه الأسبوعي بالقول: هذه عطية من الروح القدس وليست شيئًا يمكننا تعلُّمه، لذلك علينا أن نطلب من الرب أن يمنحنا الروح القدس ونعمة الحكمة، حكمة الله التي تعلمنا أن نرى بعينيه ونسمع بأذنيه ونتكلم بكلماته. فلنَسِر قَدَمًا بهذه الحكمة ولنبنِ العائلة والكنيسة فنتقدس جميعنا! لنطلب اليوم إذًا نعمة الحكمة، لنطلبها من العذراء، كرسيّ الحكمة، وهي ستمنحنا إيّاها!
إذاعة الفاتيكان